الرئيسية آراء تاريخ النشر: 10/02/2021 08:57 م

"أبو مازن" أبو التوافقية الفلسطينية

د. رمزي عودة

مدير وحدة الأبحاث في معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي

انتهى اجتماع فصائل العمل الوطني البارحة ليلا في القاهرة بعد يومين مضنيين من الاجتماعات، أدت الى توافقها على إجراء إنتخابات عامة وفقا للمرسوم الرئاسي الذي صدر في منتصف يناير الماضي. وقد أكدت هذه الفصائل على إرداتها بالدخول في المعترك الإنتخابي وفقا لروح المنافسة الشريفة، وبعيداً عن حملات التشهير والتدخلات الأمنية في العملية الإنتخابية، كما إتفقت الفصائل على إحترام نتائج الإنتخابات العامة بما فيها الإنتخابات الرئاسية وإنتخابات المجلس الوطني اللاحقة.

وفي الواقع، عكست روح الإتفاق الفصائلي النهج التوافقي للسيد الرئيس أبو مازن، الذي أكد مراراً على أهمية الإحتكام الى صناديق الإقتراع وإرادة الناخب في إنهاء الإنقسام وترسيخ العملية الديمقراطية. وقد عبرت إرادة الرئيس ودعواته مرات ومرات على أهمية إنعقاد الإنتخابات العامة وفقاً لروح المنافسة الديمقراطية وتحقيقا لأعلي مستويات المشاركة السياسية.

وعندما أعلن الرئيس في الدورة 74 لاجتماع الجمعية العامة للامم المتحدة في العام 2019 عن نيته إعلان الإنتخابات العامة كآلية لإنهاء الإنقسام وتحقيق المصالحة وبناء الدولة الوطنية الديمقراطية؛ دولة المواطنة والحرية والمساواة، روجت العديد من الفئات المعارضة بأن هذه الدعوة تأتي في سياق البروباجندا السياسية، ولكن إصرار السيد الرئيس على تذليل العقبات السياسية الوطنية والإقليمية والدولية لعقد الإنتخابات العامة، وإصراره أيضاً على إقناع الأحزاب وفصائل العمل الوطني بما فيها الأحزاب المعارضة، على أهمية إجراء الإنتخابات، قد أدى بمجمله الى إنتصار ارادة الشعب الفلسطيني بتحقق الإنتخابات، وتحقيق حلم السيد الرئيس في تكريس العملية الديمقراطية وإنهاء الانقسام.

من يعرف السيد الرئيس ويقرأ كتبه التي تزيد عن المائة كتاب، يعرف جيداً درجة الديمقراطية والقيم العليا التي ترسخت في وجدان الرئيس وفي سلوكه السياسي. والمتتبع لهذا السلوك يدرك الى جانب ذلك إيمان الرئيس بقيم الحرية والمشاركة والعدالة والمساواة. فالرئيس أبو مازن عندما إنتخب في الإنتخابات الرئاسية عام 2005، أصر على إقناع الفصائل الوطنية في عدم مقاطعة الإنتخابات التشريعية وتحقيق الشراكة الوطنية، وهذا ما تم فعلاً في إتفاق الفصائل في القاهرة عام 2005. وعندما فازت حركة حماس، دعا السيد الرئيس الى إحترام نتائج الانتخابات التشريعية والمضي قدما في العملية السياسية. وبعد حدوث الإنقلاب العسكري عام 2007، دعا السيد الرئيس مراراً الى المصالحة وإقرار كافة الإتفاقات المتعلقة بالمصالحة، بما فيها إتفاقات القاهرة عام 2013، وعام 2017. بل إنه دعا لتذليل العقبات أمام تطبيقها. وعندما فشلت جميع هذه الإتفاقات، لم يعد بيد الرئيس أبو مازن إلا أن يقترح الدخول في الإنتخابات كمدخل للمصالحة وليس العكس. وحتى لو جاءت هذه الانتخابات في إطار قائمة مشتركة، وذلك بهدف طمأنة الأحزاب المنافسة. وهذه المبادرات الرئاسية تشير بشكل واضح الى أن قيم الديمقراطية التوافقية مترسخة في سلوك السيد الرئيس، ولم تأت بتاتاً على صعيد المناورات السياسية. وما نجاح الفصائل الوطنية البارحة في التوافق على إجراء الإنتخابات العامة إلا تأكيد على هذا النهج التوافقي للسيد الرئيس وإصراره على تقديم كل ما يمكن تقديمه من أجل نجاح الإنتخابات العامة.

واذا ما نظرنا الى المرسوم الرئاسي الداعي للإنتخابات، نجده أيضا يعبر عن حالة الديمقراطية التوافقية والتشاركية التي يتبناها السيد الرئيس، فالنظام الإنتخابي النسبي هو أحد المرتكزات الأساسية في أي نظام ديمقراطي توافقي، لأنه يبنى على فكرة " أن الجميع يحكم" في إشارة الى زيادة فرص الأحزاب الصغيرة في الفوز بمقاعد برلمانية في إطار النظام النسبي. ومن جانب آخر، فإن المرسوم الرئاسي برفع الكوتا النسوية الى 26% يوضح إيمان الرئيس العميق بضرورة إتاحة المجال لمشاركة وتمثيل الفئات المهمشة وأهمها النساء في العمل العام. كما أن تعديلات المرسوم الانتخابي بقانون للعام 2007، عدلت حتى من طريقة إنتخاب الرئيس، وجعلته على دورتين أو مرحلتين إذا لم يتم تحقق الأغلبية البسيطة لأي من المرشحين، وفي ذلك إشارة واضحة إلى إصرار السيد الرئيس على تحقيق الديمقراطية التشاركية بعيداً عن فكرة المصلحة السياسية.

وأخيراً، يردد الرئيس بإستمرار عبارته التوافقية الشهيرة في إجتماعات الفصائل، وهي "ما تتفق عليه الفصائل نحن نقبله". وهذا يؤكد النهج التوافقي للسيد الرئيس، ويعبر عن أهمية الديمقراطية التوافقية في تكريس قيم الديمقراطية في المجتمعات المنقسمة. وقد أشار لذلك "ليبهارت" مؤسس النظرية الديمقراطية التوافقية عندما قال " يجب على الجميع تقاسم السلطة في المجتمعات المنقسمة من أجل ضمان أن يحكم الجميع". وفي هذا الإطار: فان سلوك السيد الرئيس لا ينحصر في هذا المفهوم النظري، ولكنه يتجاوزه لتشكيل الإئتلافات الواسعة قبل الإنتخابات والوصول الى الادماج والوحدة تدريجيا بفعل تعزيز الثقة بين الفرقاء، والتوافق على برنامج وطني موحد ضد الاحتلال ونحو بناء الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. نعم لك سيدي الرئيس، ونعم لتوافقيتك، ومعا من أجل إنجاز المشروع الوطني الفلسطيني.

ــــــــــ

 

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا