أهم الاخبار
الرئيسية تقارير وتحقيقات
تاريخ النشر: 05/10/2026 07:58 م

(محدث) حمزة نجم.. ثلاث سنوات على نارٍ أحرقت أباه وأطفاله أمام عينيه

 

مخيم المغازي 5-10-2026 وفا- سامي أبو سالم

لم تكن السيارة بالنسبة لحمزة نجم مجرد وسيلة نقل أو مصدر رزق، بل تحولت في لحظة واحدة إلى شاهد على واحدة من أبشع لحظات حياته؛ ففيها احترق والده القعيد وطفله الرضيع وطفلا شقيقته، بينما كان هو يقف عاجزا أمام ألسنة النار التي التهمتهم أمام عينيه.

كل صباح، يخرج حمزة (37 عاما) من منزله في مخيم المغازي وسط قطاع غزة، ويطيل النظر إلى ما تبقى من سيارته. كومة من الحديد المتفحم، ثقبت جوانبها آلاف الرصاصات والنيران، وباتت مرتعا للقوارض ليلا، وموضع فضول الأطفال نهارا، بعدما كانت ذات يوم مصدر رزق عائلته.

ثلاث سنوات مضت على تلك اللحظة، لكن الزمن لم يتمكن من إطفاء النار في ذاكرة حمزة.

يقول لمراسل "وفا": "لا يفارقني ذلك اليوم. كلما نظرت إلى السيارة أتذكر أبي وأطفالي وهم يحترقون أمام عيني، ولا أستطيع أن أنسى شعور العجز والقهر الذي عشته في تلك اللحظات".

في السادس من كانون الثاني/يناير 2024، كان مخيم المغازي يتعرض لهجوم إسرائيلي عنيف، بالقصف المدفعي والجوي وإطلاق النار، فيما كانت العائلات تحاول النجاة والخروج من أزقة المخيم.

يستعيد حمزة تفاصيل ذلك اليوم وكأنه يحدث أمامه الآن.

كان الخروج من الباب الأمامي للمنزل يعني، بالنسبة للعائلة، موتا محققا. لذلك توجه حمزة وشقيقه علي إلى الجهة الخلفية، وهَدما جزءًا من السور، واستعانا بطاولة للوصول إلى الجدار. تسلقت النساء الجدار، ثم حمل الشقيقان والدهما القعيد، وخرج الجميع من المنزل بحثا عن طريق للنجاة.

تسلل حمزة إلى الشارع المجاور، وأحضر سيارته، وبدأوا يحشرون فيها ما استطاعوا حمله من متاع النزوح: بعض الطعام، والحليب والحفاضات للأطفال، والملابس، وأنبوبة غاز للطبخ، وبعض الفراش.

وضع والده عماد (62 عاما)، القعيد، في المقعد المجاور للسائق، وتولى القيادة، فيما حمل طفله الرضيع عماد الدين، الذي لم يتجاوز عمره ستة أشهر، في حضنه. أما في المقعد الخلفي، فجلس طفلا شقيقته، منة طارق الغفير (6 سنوات) وزين طارق الغفير (4 سنوات).

رافق علي أفراد العائلة، فيما قاد حمزة السيارة محاولا الخروج من المخيم باتجاه مدينة دير البلح، على أمل أن يلتقوا هناك ببقية أفراد العائلة.

لكن السيارة لم تقطع سوى بضعة أمتار حتى باغتها إطلاق نار كثيف.

يقول حمزة: "شعرت بالرصاص يخترق السيارة. أصيبت منة، لكنني لم أستطع التوقف لإسعافها. واصلت القيادة، وكنت أحاول فقط أن أقطع نحو 40 مترًا لأصل إلى مكان أستطيع الاحتماء فيه".

لم يصل.

اشتعلت النيران في السيارة فجأة، وانتقلت بسرعة إلى داخلها.

"امتدت النار بسرعة رهيبة إلى الجهة اليمنى من السيارة، فطالت أبي والأطفال، ثم وصلت إليّ وإلى ابني الذي كان يصرخ في حضني".

فتح حمزة باب السيارة، فالتهمت النيران يده اليمنى. حاول أن ينقذ طفله، فخرج من السيارة بطريقة عكسية، وسقط الطفل على الأرض، فيما ارتطم حمزة برأسه بجسم صلب وفقد توازنه.

كانت السيارة تحترق أمامه.

والده، وطفله الرضيع، وطفلا شقيقته، كانوا بداخلها.

"كانت النار تلتهم السيارة ووالدي والأطفال بداخلها، ولم أستطع أن أفعل شيئًا. كان شعورًا قاتلًا بين العجز والوحدة والقهر. لقد ماتوا حرقًا أمامي"، يقول حمزة.

وفي ذروة عجزه، أطلق صرخة أخيرة، كانت بالنسبة إليه أشبه بصرخة حياة.

دوت الصرخة في المربع السكني، فعادت العائلة باتجاهه، تتقدمها زوجته التي هرعت لإنقاذ طفلها. لكنها لم تصل؛ إذ باغتها رصاص الاحتلال، فأصابها وأسقطها أرضًا مضرجّة بدمائها.

خرج بعض الجيران العالقين بين الأزقة، وحاولوا الاقتراب من السيارة، لكن النيران كانت شديدة، ولم يكن هناك ماء لإخمادها، فيما كانت دبابة إسرائيلية على مرمى البصر تواصل إطلاق النار.

حمل الجيران زوجة حمزة على باب خشبي، وساروا بها بين الأزقة بحثًا عن مكان آمن.

أما حمزة، فتسلل باتجاه مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، وهناك تأكد أن طفله الوحيد عماد الدين قد استشهد.

أما والده وطفلا شقيقته، فظلوا داخل السيارة التي تحولت إلى كتلة من النار والحديد.

سيارة عائلة نجم.. شاهد على المذبحة

لم يستطع حمزة وأفراد عائلته العودة إلى المكان لدفن الشهداء. وبعد نحو أسبوعين، وبعد تراجع قوات الاحتلال، عادوا إلى السيارة، وهم يتوقعون أن يجدوا هياكل عظمية لأحبائهم.

لكنهم لم يجدوا سوى بقايا عظام.

جمعوها في كيس بلاستيكي، ودفنوها في قبر الرضيع عماد الدين.

يقول حمزة: "لن يفارق هذا اليوم مخيلتي. يداهمني كالكوابيس، ولا أستطيع أن أنساه، ولا أنسى حالة القهر والعجز التي كنت فيها، ولا أعرف حتى الآن كيف بقيت حيًا".

وقتل الاحتلال منذ بداية حربه على غزة في السابع من أكتوبر 2023، أكثر من 74.243 فلسطينيا بينهم أكثر من 20 ألف طفل فيما أصيب أكثر من 175.232 مواطنا، وفقا لآخر حصيلة أوردتها مصادر طبية.

سيارة احترقت.. ورزق عائلة انطفأ

لم تفقد عائلة نجم خمسة من أفرادها في ذلك اليوم فحسب، بل فقدت أيضًا مصدر رزقها.

كان حمزة يعمل سائقًا، وكانت السيارة مصدر دخله الذي يعيل به نحو عشرة أفراد من أسرته ووالديه وشقيقاته. وبعد احتراقها، وجد نفسه بلا عمل ولا مصدر دخل.

يقول: "كانت السيارة مصدر رزقنا الوحيد. الآن فقدت عملي، ولا أستطيع شراء سيارة أخرى، فقد احترقت مدخراتي وكل ما أملك داخلها".

وتشير الوقائع الميدانية خلال الحرب إلى تدمير آلاف المركبات في قطاع غزة، بينها سيارات تقل عائلات، ومركبات إسعاف ودفاع مدني، تعرض بعضها للقصف أو الحرق أو الدهس بواسطة الدبابات.

ولم يكن حمزة وحده من فقد مصدر رزقه. فقد أدت الحرب والحصار وتدمير المنشآت الاقتصادية والبنية التحتية إلى فقدان عشرات آلاف الفلسطينيين في قطاع غزة أعمالهم.

ووفقًا لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء، التي صدرت في أيار/مايو الماضي، فإن نحو 74% ممن كانوا يعملون في قطاع غزة أصبحوا عاطلين عن العمل أو خرجوا من القوى العاملة، فيما ارتفع معدل البطالة خلال الحرب إلى نحو 68%، وانخفضت نسبة المشاركة في القوى العاملة إلى نحو 25%، مقارنة مع 40% قبل الحرب.

وبينما يحاول حمزة أن يبدأ حياته من جديد، تبقى السيارة المحترقة أمام منزله، شاهدة على يوم لم ينته بالنسبة إليه، وعلى أب وأطفال غابوا في لحظة، لكن نار فقدانهم ما زالت مشتعلة في ذاكرته.

في مخيم المغازي، لم يعد حمزة يرى في كومة الحديد المتفحم مجرد سيارة مدمرة، بل قبرا مفتوحًا لذاكرته؛ كلما مرّ بجانبها، عاد إليه صوت النار، وصراخ طفله، ووجه والده، وصرخة العجز التي لم يجد لها يومها سوى السماء.

س.س/ ف.ع

 

 

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا