نابلس 18-2-2026 وفا- بسام أبو الرب
على الطريق الواصل بين محافظتي جنين ونابلس، تتربع بلدة سبسطية على عرش أحد التلال، التي تطل على السهول الخضراء شمال غرب نابلس، التي تأخذك في رحلة إلى سحر التاريخ، الذي أصبح يشكل حربا من نوع أخر على الأرض؛ تطال الذاكرة والإنسان والرواية.
ليست سبسطية وحدها. فقبل أيام نصبت مجموعات من المستعمرين أعلام الاحتلال على مدخل الموقع المسعودية التاريخي التابع لأراضي برقة، والذي يقع على مقربة من موقع سبسطية الأثري، إضافة إلى نصب لوحة إعلانية كبيرة، كتب عليها باللغة العبرية: "أهلا وسهلا بكم في شمال السامرة.. لقد عدنا إلى البيت"، كنوع من فرض أمر واقع على الأرض بالسيطرة على الأراضي، عقب قرار العودة إلى المستعمرات التي أُخليت عام 2005 في الضفة الغربية.
اليوم، تعود سبسطية تحديدا إلى واجهة الصراع على الأرض، بعد قرارات أخرى من حكومة احتلال بالاستيلاء على أراضٍ من البلدة، وصلت إلى نحو 2000 دونم من أراضي سبسطية وبرقة معا، حسب ما أعلنته هيئة مقاومة الجدار والاستيطان.
رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الوزير مؤيد شعبان، قال: "الاحتلال أصدر يوم أمس أمراً يقضي بالاستيلاء على 2000 دونم من أراضي بلدتي سبسطية وبرقة شمال محافظة نابلس وفق أمر استملاك استهدف الموقع الأثري في المنطقة".
وبين أن "أمر الاستملاك الرسمي الصادر يشكّل استكمالا مباشرا لإعلان نية الاستيلاء الصادر سابقا بموجب الأمر رقم (2/25) بتاريخ 18 كانون الثاني 2025، والذي اكتفت دولة الاحتلال في حينه بالإعلان عن نية الاستيلاء دون توضيحات أخرى".
من معركة العلم إلى الأرض
منذ عام 2015 زادت أطماع المستعمرين في السيطرة على الموقع التاريخي في سبسطية، وكانت هناك محاولات لشق طرق خاصة بهم للوصول إليه من أجل السيطرة عليه، حسب ما أكده رئيس بلدية سبسطية محمد عازم.
وقال عازم في حديث لوكالة "وفا": إن المستعمرين لم يألوا جهدا من أجل فرض أمر واقع على الأرض؛ من خلال التضييق على المواطنين والاعتداء عليهم، حتى شنوا حربا لمجرد رؤيتهم العلم الفلسطيني يرفرف فوق أحد التلال في البلدة".
وأضاف: "في شهر آذار/ مارس 2021 خصصت حكومة الاحتلال 24 مليون شيقل، في محاولة لتهويد الآثار، والسيطرة على المواقع الأثرية، بما فيها سبسطية، إضافة إلى اقتحام قادة ووزراء، آنذاك، للموقع الأثري في البلدة، لإقرار إنشاء مركز لشرطة داخل الموقع الأثري بهدف السيطرة عليه".

وتابع: "في تموز عام 2025 أعلن الاحتلال الاستيلاء على 1300 متر مربع من أراضي سبسطية لإقامة ثكنة عسكرية تطل على معبد أغسطس وقصر عمري، ما يمنحه سيطرة مباشرة على الموقع والمناطق المحيطة، وعقب ذلك أعلن نية حكومته الاستيلاء على 2068 دونما من أراضي سبسطية وبرقة".
وأكد عازم أن حكومة الاحتلال عادت يوم أمس وصادقت على الاستيلاء واستملاك الأراضي بشكل تام؛ للمصلحة العامة حسب القرار الإسرائيلي، موضحا أنه ستتم السيطرة على الموقع الأثري بشكل كامل، إضافة إلى الأراضي الزراعية وامتدادات بلدتي سبسطية وبرقة.
وأشار إلى أن ما يحدث اعتداء سافر على موروث ثقافي يزيد عمره على خمسة آلاف عام، محمّلاً حكومة الاحتلال المسؤولية الكاملة عن هذه الجريمة، التي تُعد مخالفة صريحة للمواثيق الدولية التي تحظر على دولة الاحتلال التدخل في التراث التاريخي للمناطق المحتلة، مؤكدا أن البلدية ستتخذ جميع الإجراءات القانونية الممكنة لوقف هذا المخطط التهويدي.
مشاريع استعمارية تحت غطاء سياحي
مدير عام السياحة والآثار في نابلس ضرغام فارس، أكد أن المشاريع التي تنفذها سلطات الاحتلال ليست لغايات التطوير السياحي كما تدّعي، بل هي جزء من سياسة ممنهجة لتهويد الموقع وفرض الضم، عبر إعادة تسمية المكان وتغيير ملامحه بما يخدم الرواية الإسرائيلية.
وأشار إلى أن الاحتلال يعمل خلال الأعوام الثلاثة الماضية بوتيرة متسارعة على فرض وقائع على الأرض، كان أبرزها قرار حكومة الاحتلال في تموز 2023 بتخصيص 32 مليون شيقل لتطوير الموقع في المناطق المصنفة (ج) وفصله عن القرية.
وفي دراسة لمعهد الأبحاث التطبيقية "أريج" بعنوان: "سبسطية: ذاكرة التاريخ في مواجهة مقصلة الاستيطان"، أكدت أن عام 2023 شهد قفزة نوعية في التمويل الحكومي لمشاريع التهويد في سبسطية. ففي أيار، صادقت الحكومة الإسرائيلية على استثمار 29 مليون شيقل لتطوير الموقع، أعقبها في تموز تخصيص 32 مليون شيقل إضافية في إطار مشاريع تقع في معظمها في المناطق المصنفة (ج).
وبينت الدراسة أنه مع مطلع عام 2025، تم إطلاق مشروع "متنزه السامرة الوطني"، تحت ذريعة الحفاظ على "التراث اليهودي"، مع رصد ميزانية جديدة تجاوزت 32 مليون شيقل. إلا أن المراقبين يؤكدون أن الهدف الحقيقي لهذه المشاريع ليس الحفاظ على التراث، وإنما فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على الموقع وإعادة صياغة هويته بما يتماشى مع الرواية التوراتية، في مسعى واضح إلى طمس الوجود الفلسطيني.
يشار إلى أن بلدة سبسطية تمتاز بانتشار الآثار فيها، من شارع الأعمدة، ومقام ومسجد النبي يحيى، إضافة إلى الأسقفية الرومانية، ومسارح أثرية، والمحكمة، والمدرج الروماني، ومقبرة الملكية التي تعود للحقبة الرومانية، والبرج اليوناني الوحيد في فلسطين.
ــــــــ
/م.ل


