سلفيت 26-10-2026 وفا- علا موقدي
حين وصلت نصرة عزريل (57 عاما) من مدينة سلفيت إلى منطقة واد الشاعر لمساندة الأهالي في قطف ثمار الزيتون، لم تكن تنظر إلى الأشجار والأرض المحروثة بوصفها مجرد أرض زراعية، بل كانت تستحضر حكاية أرض تعبت فيها أيادي الآباء والأجداد جيلا بعد جيل، حتى غدت حبات زيتونها، كما وصفتها، "بحجم البلح" من كثرة ما تحمله من خير.
لكن هذه الأرض، بما تختزنه من ذكريات وما توفره من محصول، باتت تواجه تهديدات متزايدة بفعل اعتداءات المستعمرين، التي تحرم المزارعين من الوصول إلى أراضيهم وقطف ثمار تعبهم.
وقالت عزريل لـوكالة "وفا" إن مشاهد الأرض أعادتها إلى أيام الطفولة، حين كانت ترافق والدتها إلى منطقة الشلال على طريق المطوي، الواصل بين مدينة سلفيت وبلدة بروقين، وإلى الأراضي الزراعية التي كانت تحتاج إلى عدة أسابيع متواصلة وجهد كبير لإنهاء قطافها.
وأضافت أن الأرض ارتبطت في ذاكرتها بلمة العائلة والجيران ومواسم الخير، لكنها باتت اليوم تتصدر الأخبار بسبب اعتداءات المستعمرين على المزارعين، وقطع أشجار الزيتون، والتضييق على أصحاب الأراضي.
وأشارت إلى أن موسم قطف الزيتون هذا العام لم يعد موسم فرح وبهجة كما اعتاد أهالي سلفيت في السنوات السابقة، قائلة: "لم نعد نرى مشاهد الطعام الذي كانت تحضّره العائلات تحت أشجار الزيتون، ولا الخبز وصينية القش التي تتوسطها أطباق الزيت والزعتر، ولا شوالات الزيتون المعبأة بثماره، بل باتت المشاهد التي نراها هي الوجوه التي تعرضت للضرب، والإصابات التي تنقل إلى المستشفيات".
وتقع منطقة واد الشاعر بين مدينة سلفيت وبلدة اللبن الشرقية جنوب نابلس، فيما يقع وادي المطوي غرب مدينة سلفيت ويمتد باتجاه أراضي بلدتي بروقين وفرخة.
وتشكل المنطقتان مساحات زراعية مهمة تنتشر فيها أشجار الزيتون التي يعتمد عليها المزارعون في تأمين جزء من مصادر رزقهم، إلا أن وجود البؤر الاستعمارية ومواصلة التوسع الاستعماري يهددان الأراضي الزراعية ويزيدان صعوبة الوصول إليها.
وفي واد الشاعر، تؤثر البؤر الاستعمارية المقامة في المنطقة على الطريق الواصل بين سلفيت واللبن الشرقية، الذي يسلكه المواطنون وطلبة جامعة الزيتونة للعلوم والتكنولوجيا، في ظل الاعتداءات ورشق المركبات بالحجارة، إلى جانب مضايقة المزارعين وتهديد سلامتهم خلال موسم القطاف. أما وادي المطوي، فيواجه ضغوطا متزايدة بفعل التوسع الاستعماري وتجريف الأراضي وشق الطرق، فضلا عن الاعتداءات التي تطال المزارعين وممتلكاتهم.
وامتدت الاعتداءات إلى قرى وبلدات أخرى في محافظة سلفيت، حيث يواجه المزارعون مضايقات متكررة خلال موسم قطف الزيتون، تحدّ من قدرتهم على الوصول إلى أراضيهم وجني محاصيلهم، وتهدد سلامتهم ومصادر رزقهم.
وقال مدير عام مديرية الزراعة في سلفيت، المهندس إبراهيم الحمد، إن الاعتداءات التي يتعرض لها المزارعون خلال موسم قطف الزيتون في المحافظة اتخذت أشكالا متعددة، شملت الاعتداء الجسدي، وملاحقة المركبات ورشقها بالحجارة، وإحراق الممتلكات، وقطع أشجار الزيتون، وسرقة المعدات الزراعية وثمار الزيتون، الأمر الذي انعكس سلبا على المزارعين وموسمهم الزراعي.
وأشار إلى أن الاعتداءات طالت منطقة الواد الأحمر شرق قرية مردا، حيث قُطعت أشجار زيتون وتضررت ممتلكات المزارعين وسُرقت معدات زراعية، كما تعرض مزارعون للضرب أثناء قطف الزيتون في منطقة واد العين ببلدة دير بلوط غرب المحافظة، وفي منطقة المنقاع غرب قرية فرخة. وأضاف أن المحافظة شهدت حالات احتجاز واعتداءات وُثقت في بلداتها وقراها خلال الموسم.
وأوضح الحمد أن تداعيات الاعتداءات تتجاوز الأضرار المباشرة، إذ يؤدي اضطرار المزارعين إلى مغادرة أراضيهم خوفا من الاعتداءات إلى تأخير قطف المحصول، ما قد يعرّض جزءا منه للتلف أو التساقط، ويحرمهم من الاستفادة الكاملة من إنتاج الموسم.
وأضاف أن إحراق المركبات وإتلاف المعدات الزراعية يحمّلان المزارعين أعباء مالية إضافية، سواء لاستبدال الممتلكات المتضررة أو إصلاحها، فيما يؤدي قطع الأشجار إلى خسائر تمتد لسنوات، نظرا إلى الوقت الذي تحتاج إليه الأشجار المتضررة لاستعادة قدرتها على الإنتاج، وقد يستدعي بعضها إعادة زراعتها والانتظار حتى تعود إلى الإثمار.
وتأتي الاعتداءات المسجلة في محافظة سلفيت ضمن تصاعد أوسع لانتهاكات المستعمرين بحق المزارعين خلال موسم قطف الزيتون في الضفة الغربية. وأفادت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان بأن اعتداءات المستعمرين على موسم الزيتون بلغت 482 اعتداء منذ بدء الموسم وحتى نهاية يوم 25 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، توزعت على تسع محافظات.
وكانت الهيئة قد وثقت 91 اعتداء في محافظة سلفيت خلال الفترة الممتدة من الأول وحتى الحادي والعشرين من الشهر ذاته، لتأتي المحافظة في المرتبة الثانية بعد نابلس، التي سجلت 166 اعتداء خلال الفترة نفسها.
من جانبه، قال رئيس بلدية سلفيت، ضياء بني نمرة، لـ"وفا"، إن الاعتداءات التي تستهدف المزارعين وممتلكاتهم خلال موسم قطف الزيتون تزيد الأعباء التي يتحملونها، وتهدد مصادر رزقهم، لا سيما عندما تطال المركبات والمعدات الزراعية والأشجار التي يعتمدون عليها في عملهم.
وأضاف أن البلدية تولي أهمية لتوثيق الاعتداءات والأضرار التي تلحق بالمزارعين، ومتابعة القضايا المتعلقة بها مع الجهات المختصة، مشددا على ضرورة توفير الحماية لهم وتمكينهم من الوصول إلى أراضيهم واستكمال قطف الزيتون دون تهديد أو اعتداء.
ومع استمرار الاعتداءات في محافظة سلفيت، تتزايد التحديات التي تواجه المزارعين في الوصول إلى أراضيهم واستكمال موسم القطاف، بما يهدد المحصول ومصادر دخل العائلات التي تعتمد على الزيتون، ويجعل الحفاظ على الأرض ومواصلة العمل فيها أكثر صعوبة.
ومنذ عام 2023، تجاوزت خسائر محصول الزيتون في فلسطين 157 مليون دولار، فيما تضررت نحو 286 ألف شجرة زيتون في الضفة الغربية خلال الفترة ذاتها، وفق بيانات وزارة الزراعة.
ـــ
ع.م/ م.ج


