الخليل 25-10-2026 وفا- قالت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، إن قوات الاحتلال الإسرائيلي هدمت منذ بدء عدوانها على مدينة الخليل يوم الجمعة الماضية، عمارة تضم ثلاث شقق في منطقة فرش الهوى بمدينة الخليل، ثم استهدفت منشآت ومحال تجارية، بينها شركة للبلاط والسيراميك ومحال لقطع السيارات، وجرفت وخربت نحو سبعة دونمات.
وأضافت الهيئة في بيان معلوماتي صادر عنها اليوم الأحد، أن إجراءات الاحتلال امتدت إلى إخلاء عائلات من مناطق الجلدة وعين دير بحة وإغلاق مداخل المدينة ومحافظة الخليل.
وتابعت: "هكذا اتسع نطاق العقاب من ملاحقة أشخاص إلى ضرب شروط السكن والعمل والحركة لسكان لا تتوقف حياتهم عند موقع الحادثة."
ولفتت إلى أن جغرافيا الاستهداف تكشف أهمية فرش الهوى بوصفها مدخلاً غربياً وشمالياً للمدينة ومنطقة تجمع السكن والنشاط التجاري والاتصال بالطريق الالتفافي. فهدم مبنى هنا يبدد مسكناً أو مصدر رزق، وإغلاق المدخل يعطل حركة أحياء وأسواق وعمال وموردين. وحين يتزامن التدمير مع الإخلاء والاستيلاء على مبانٍ للتمركز العسكري، تصبح العملية تدخلاً واسعاً في استخدام الحيز الفلسطيني: من يقيم فيه، ومن يستطيع الوصول إليه، وكيف تتصل أجزاؤه بعضها ببعض.
ووثقت الهيئة في محافظة الخليل خلال أيلول 2026 وحده 272 اعتداءً لقوات الاحتلال والمستعمرين، منها 122 اعتداءً نفذها المستعمرون. كما سجلت 19 عملية هدم طالت 91 منشأة، لتتصدر الخليل محافظات الضفة الغربية في عدد المنشآت المهدومة خلال الشهر. وتضع هذه الأرقام الهدم الأخير ضمن ضغط متواصل على المسكن والاقتصاد والأرض، يتوزع بين المدينة وبلداتها ومناطقها الريفية والرعوية.
وأردفت، أنه في الخليل تتقاطع خريطتان إداريتان، إذ تتوزع أراضي المحافظة بين التصنيفات: أ وب وج، حيث يحتفظ الاحتلال في مناطق "ج" بالسيطرة على التخطيط والبناء ومساحات واسعة من الأراضي المحيطة بالتجمعات الفلسطينية. وداخل المدينة، أنشأ بروتوكول الخليل لعام 1997 تقسيم H1 وH2: نحو 80% من المدينة في القسم الأول، ونحو 20% في الثاني الذي أبقى الاحتلال فيه السيطرة الأمنية. وظلت الصلاحيات المدنية والتخطيطية الفلسطينية في H2 جزءاً من الاتفاق، قبل إجراءات انتزاع بعضها لصالح المستعمرين. لذلك لا يجوز مساواة H2 بالمناطق ج؛ فلكل منهما ترتيباته، بينما تتعرض الصلاحيات الفلسطينية في كليهما للتقويض.
وفي محيط المدينة، تشكل مستعمرة كريات أربع وامتدادها الشمالي كتلة استعمارية شرقية، وتقع "حجاي" إلى الجنوب، و"تيلم وأدورا" على محور الطريق "35" غرباً، و"كرمي تسور" بين حلحول وبيت أمر شمالاً. وتبين مسوحات توثيقية لمنطقة جبل الخليل أن السيطرة تتجاوز الكتل المبنية إلى شبكة الحركة؛ إذ أحصى في نطاق تقارير الإغلاق عن 220 حاجزاً وسداً، بينها 149 سداً ترابياً وصخرياً و52 حاجزاً مغلقاً. ويشرح هذا الانتشار قابلية فصل التجمعات الفلسطينية عن الطرق الرئيسة وعن أراضيها، مع إبقاء اتصال المستعمرات بعضها ببعض.
وتكشف خرائط أوامر الاستملاك الموثقة لدى الهيئة الأساس العقاري لبعض هذه المحاور؛ ومنها الأمر هـ/1/96، الموقع في 19 شباط 1996، للالتفافي الغربي لحلحول، بنطاق مسجل يقارب 151 دونماً، والأمر هـ/4/95 المتعلق بطريق التفافي شرق الخليل. وهذه أوامر سابقة على الأحداث الجارية، لكن مواضعها توضح كيف صنعت أوامر الاستملاك العسكرية بنية طرق تتيح التحكم بمنافذ المدينة.
أما أبرز التوسع التخطيطي الحديث شمال كريات أربع، فهو المخطط 510/6/2 لبناء 234 وحدة استعمارية، الذي توثق الهيئة في تقاريرها المصادقة النهائية عليه في 3 حزيران 2026. يقع المشروع منفصلاً عن الكتلة القائمة، قرب بيت عينون، ويعيد تخصيص منطقة صناعية للسكن. وتعود خلفيته العقارية إلى إعلان نحو 70 دونماً "أراضي دولة" عام 1982 وتخطيطها للصناعة عام 1988. وتكمن دلالته في تحويل أرض جرى إخضاعها سابقاً للسيطرة الإسرائيلية إلى موقع سكني جديد داخل النسيج الفلسطيني، بما يوسع الاحتياجات العسكرية والطرق والخدمات المرتبطة بحمايته.
ويتقدم داخل المدينة مسار موازٍ عبر المباني القائمة. ففي 19 شباط 2026، تم توثيق دخول مستعمرين إلى منازل في جبل جالس، على بعد نحو 1.3 كيلومتر شرق الحرم الإبراهيمي. وفي شارع الشلالة، اكتسب الاستيلاء على مبنى "بيت فاليرو" في أيلول 2025 بعداً تخطيطياً إضافياً، عندما صودق في 17 حزيران 2026 على إضافة طابقين بمساحة إجمالية 1,027 متراً مربعاً لإسكان طلاب مدرسة دينية استيطانية. وتنبع خطورة الموقع من وقوعه على أحد أهم منافذ الفلسطينيين إلى البلدة القديمة بعد إغلاق شارع الشهداء.
وتكشف الوقائع الميدانية امتداداً استعماريا غرب تل الرميدة داخل H1، بإقامة مقطورتين في أرض تقع، وفق خريطة اتفاق 1997، ضمن السيطرة الفلسطينية. وبالتوازي، نقل قرار مجلس التخطيط الأعلى في 10 حزيران 2026 صلاحيات التخطيط المتعلقة بعقارات المستعمرين وثمانية مواقع دينية إلى سلطات الاحتلال، تنفيذاً لقرار الكابينيت ب/229 الصادر في شباط. ويؤسس ذلك لتوسيع البناء الاستعماري داخل المدينة عبر مؤسسات تخطيط إسرائيلية، بينما يبقى الفلسطينيون في الشوارع نفسها خاضعين لمسار تخطيطي مختلف.
وفي الحرم الإبراهيمي، وقّعت سلطات الاحتلال في 15 أيلول/سبتمبر 2025 أمر استيلاء على 288 متراً مربعاً من الصحن الداخلي، تمهيداً لتسقيفه. وتكشف هذه الخطوة أن آثار الاستيلاء تتجاوز المساحة المصادرة، إذ إن انتزاع جزء محدود من موقع ديني وتاريخي مركزي قد يفضي إلى تغيير صلاحيات إدارته وشروط استخدامه. وتتداخل هنا المصادرة مع نقل الاختصاصات، وإدخال المستعمرين إلى العقارات، وتوسيع المنشآت الاستعمارية، بما يسهم في إعادة تشكيل البلدة القديمة تدريجياً.
وتشير قراءة هذه الوقائع مجتمعة إلى أن الخليل تتعرض لضغط على مستويين متوازيين: توسيع السيطرة الاستعمارية على المواقع والطرق والصلاحيات، وتقليص قدرة الفلسطينيين على السكن والعمل والتنقل والوصول إلى ممتلكاتهم. وخلال الأيام الأخيرة، اتسع نطاق الأضرار الناجمة عن الهدم والإخلاء والإغلاق، لتطال أحياء ومصالح اقتصادية خارج نطاق المباني المستهدفة مباشرة. وتكمن خطورة هذه الإجراءات في قدرتها على إحداث تحولات عمرانية واقتصادية طويلة الأمد، في مدينة تتواصل فيها، بالتزامن، مشاريع استعمارية موثقة. فكل مسكن مدمّر، ومحل تجاري معطّل، ومدخل مغلق، يضيف قيداً جديداً على ترابط المدينة وقدرتها على الحياة والنمو.
وفي جنوب محافظة الخليل، يتقدم مخطط التهجير القسري في مسافر يطا عبر هدم المساكن والمنشآت الزراعية، وتدمير شبكات المياه والكهرباء، وتقييد حركة السكان، بالتوازي مع اعتداءات المستعمرين على الرعاة والمراعي والطرق، تحت الحماية العسكرية. وتكشف المنطقة التي تصنفها سلطات الاحتلال "منطقة إطلاق النار 918" عن التناقض في توظيف الذريعة العسكرية؛ إذ تُستخدم القيود المفروضة عليها لتبرير إزالة الوجود الفلسطيني، فيما وثقت الهيئة، من جهتها، في عام 2025 عشر بؤر ومزارع استعمارية داخل نطاقها، تمدد بعضها بعد تشرين الأول/أكتوبر 2023.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك بؤرة "أفيغايل"، التي أقرت الحكومة الإسرائيلية تسويتها في شباط/فبراير 2023، رغم وجود عشرات المباني التابعة لها داخل المنطقة المصنفة للتدريب العسكري. ويكشف تزامن تهجير الفلسطينيين مع تثبيت المستعمرين عن تداخل الإجراءات العسكرية والتخطيطية والاعتداءات الاستعمارية في إعادة توزيع السيطرة على الأرض، بما يهدد مقومات بقاء السكان الفلسطينيين فيها.
ويمتد هذا الاستهداف إلى مختلف أنحاء المحافظة عبر شبكة من المواقع التي أقرت الحكومة الإسرائيلية إنشاءها أو شرعنتها أو تحويلها إلى مستعمرات مستقلة. وبلغ عدد المواقع المشمولة بهذه القرارات 16 موقعاً منذ مطلع عام 2023 وحتى القرارات الصادرة في آذار/مارس 2026.
ومن أبرز هذه المواقع "أفيغايل" و"عسائيل" جنوباً، و"أدورايم" و"أفيكا" في محيط دورا، و"معالوت حلحول" شرق حلحول، و"متسبيه زيف" جنوب بني نعيم، و"كرمي يهودا" شرق "تيلم"، و"متسبيه يائير" شرق "سوسيا"، إضافة إلى "بني كيدم" و"معاليه عناب" و"ميغيد" و"نحال دورون".
ويعزز توزيع هذه المواقع السيطرة على المساحات الفاصلة بين المستعمرات، ويضيّق المجال المتاح لامتداد التجمعات الفلسطينية، ويوسع التحكم بالطرق والمراعي والأراضي الزراعية. وبذلك، يرتبط التهجير في جنوب المحافظة بمسار أوسع لإعادة تشكيل جغرافيتها، بما يؤثر في التواصل بين التجمعات الفلسطينية وقدرتها على الوصول إلى أراضيها ومواردها.
ــ
إ.ر


