أهم الاخبار
الرئيسية تقارير وتحقيقات
تاريخ النشر: 27/07/2026 07:19 م

جنين... الاحتلال يحول أحلام عائلات في عرابة وعنزة إلى ركام

جنين 27-7-2026 وفا – زهران معالي

يقلب المواطن جهاد موسى بيديه أكواما من أنقاض منزله، باحثا بين الركام عن بطاقاته الشخصية وأوراقه الرسمية وبعض المقتنيات التي لم يتمكن من إخراجها قبل هدم منزله، لم يكن يبحث عن أثاث أو أموال، بل عما تبقى من حياة بناها على مدار سنوات، وانتهت خلال ساعات قليلة تحت أنياب جرافات الاحتلال، قرب محطة عرابة جنوب جنين.

في السادسة والنصف من صباح اليوم الاثنين، فوجئت عائلة موسى بوصول قوات الاحتلال الإسرائيلي وما تُسمى بـ"الإدارة المدنية" إلى منزلها في منطقة محطة عرابة، لم تمنح العائلة سوى وقت قصير لإخلاء المنزل، قبل أن تبدأ الجرافات بهدم المبنى، وسط انتشار عسكري واسع وإغلاق لطريق جنين– نابلس ومداخل المنطقة.

ويقول موسى لـ"وفا": "طلبوا منا إخلاء المنزل فورًا، ولم يكن لدينا وقت كافٍ، أخرجنا جزءًا من الأثاث، لكن بقيت غرفة النوم كما هي، ومعها أوراقنا الثبوتية ومقتنياتنا الشخصية، ولم يسمحوا لنا بالعودة لإخراجها".

ولم يكن المنزل مجرد مكان للسكن، بل حصيلة سنوات من العمل والادخار، فالمبنى المكون من ثلاثة طوابق، والبالغة مساحته الإجمالية نحو 1055 مترا مربعا، يضم خمسة محال تجارية في الطابق الأرضي، فيما خُصصت الطوابق العلوية لسكن العائلة.

ويؤوي المنزل ثمانية أفراد، وكان أحد الطوابق قد أصبح شبه جاهز ليستقر فيه أحد أبناء موسى الذي كان يستعد للزواج، قبل أن تتوقف الاستعدادات فجأة مع وصول الجرافات.

ويروي موسى أن رحلته مع أوامر الاحتلال بدأت في آذار/مارس الماضي، لكن المفارقة المؤلمة أنها بدأت في اليوم ذاته الذي انتقلت فيه العائلة إلى منزلها الجديد.

ويقول: "في أول يوم سكنّا فيه المنزل تسلمنا إخطار وقف البناء، منذ ذلك الوقت تابعنا القضية بواسطة محامٍ، وقدمنا جميع الأوراق والمخططات المطلوبة، وبقي الملف منظورًا أمام المحاكم، لكننا فوجئنا بتنفيذ الهدم ولم يظهر لنا الجنود أية قرارات مكتوبة بعملية الهدم".

ولم تقتصر خسارته على المنزل، إذ هدمت قوات الاحتلال أيضًا المقهى الذي يملكه في الموقع نفسه رغم امتلاكه ترخيص أردني منذ 83 عاما، والذي لم يكن قد مضى على شرائه سوى أربعة أيام، ليفقد في يوم واحد منزله ومشروعًا كان يأمل أن يشكل مصدر دخل إضافي لعائلته.

وبعد ساعات من انتهاء الهدم، لم يغادر موسى المكان، بل عاد إلى الركام بحثًا عن وثائقه الرسمية وما تبقى من مقتنيات أسرته، في مشهد يلخص حجم الخسارة، مضيفا لمراسل وفا: "لم يعد هناك مكان يؤوينا، لم نفرح كثيرا بمنزلنا الجديد سنعود للبحث عن منزل بالإيجار من جديد".

ولم تتوقف الجرافات عند محطة عرابة، فعلى بعد عدة كيلومترات، انتقلت مباشرة إلى منطقة مفترق عنزة جنوبا، وبدأت عملية هدم جديدة استهدفت ثلاثة بنايات تضم 18 محلا تجاريا وشقتين تعود للمواطنين: مصعب أبو الوفا، وهشام حنتولي، ومحمد مفيد موسى.

ويقول أبو الوفا إن رحلته مع الإخطارات بدأت قبل أربعة أشهر، عندما تسلم أمرًا بوقف البناء، فلجأ إلى محامٍ من داخل أراضي عام 1948، وفتح ملف ترخيص، واستكمل جميع المخططات والإجراءات المطلوبة.

ويضيف أن طلب الترخيص رُفض قبل نحو عشرين يومًا، فتقدم باستئناف، فيما واصل محاميه متابعة الملف لإثبات أن الأرض ليست ضمن منطقة عسكرية.

ويتابع: "قرابة الساعة العاشرة صباحًا وصلت قوات الإدارة المدنية برفقة جيش الاحتلال، وأبلغني الضابط بأن أمامي ساعة ونصف فقط لإخلاء المنشأة، حضر عدد كبير من الشبان لمساعدتنا، وأخرجنا ما استطعنا من المعدات، لكن الجنود أبعدوا الجميع، وبعدها بدأت الجرافات بهدم منشأتي التجارية التي تضم محلات البناشر ومغسلة السيارات".

ويؤكد أبو الوفا أن خسارته تجاوزت المبنى نفسه، إذ فقد مصدر رزق اعتمدت عليه أسرته لسنوات، مضيفًا أن ما بناه بجهده انتهى خلال وقت قصير.

ولم يكن أبو الوفا وحده من يعيش هاجس الهدم في عنزة، ففي الموقع ذاته، يقول جاره هشام حنتولي: "حسبي الله ونعم الوكيل، منذ سنتين وأنا أبني هذه العمارة المكونة من شقتين وستة مخازن، كلفتني مليونًا وستمائة ألف شيقل من تعب السنين، وربيتها مثل أولادي، لم يمضِ على الانتهاء منها سوى عام واحد، واليوم حولها الاحتلال إلى ركام".

ويؤكد حنتولي أنه رغم "أن القضية لا تزال منظورة أمام المحاكم الإسرائيلية، إلا أن جرافات الاحتلال هدمت حلم العمر وتعب السنين".

ولم تكن هذه المرة الأولى التي تستهدف فيها قوات الاحتلال منطقة مفترق عنزة، ففي وقت سابق من الشهر الجاري هدمت بناية مكونة من ثلاثة طوابق تعود للمواطن حافظ أبو قياص، بعد أن اقتحمت المنطقة برفقة عدة جرافات عسكرية وسوت المبنى بالأرض، رغم أن صاحبه كان قد تقدم باعتراض أمام المحاكم الإسرائيلية، وكانت القضية لا تزال منظورة.

وقال أبو قياص لـ"وفا" آنذاك إن المبنى كان يضم ثلاثة مخازن تحتوي على بضائع في الطابق الأرضي، وشققًا في الطابق الثاني، فيما كان الطابق الثالث قيد الإنشاء، مشيرًا إلى أن مساحة كل طابق بلغت 320 مترًا مربعًا.

وتواجه قرية عنزة منذ آب/أغسطس 2025 تهديدًا متواصلًا، بعد أن سلمت سلطات الاحتلال إخطارات تستهدف 16 منشأة، في وقت تتكرر فيه الاقتحامات وعمليات الهدم، وسط مخاوف متزايدة لدى الأهالي من فقدان منازلهم ومصادر رزقهم.

وعلى امتداد الطريق الواصل بين محطة عرابة ومفترق عنزة، لا تتجاوز المسافة بين مواقع الهدم سوى بضعة كيلومترات، لكنها كانت كافية لتترك الجرافات خلفها مشاهد ثقيلة لعائلات فقدت بيوتها ومصادر رزقها.

وتأتي عمليات الهدم التي طالت منازل ومنشآت في محيط محطة عرابة ومفترق عنزة ضمن تصاعد ملحوظ في استهداف محافظة جنين، التي تشهد خلال السنوات الأخيرة إجراءات إسرائيلية متواصلة شملت هدم المنازل والمنشآت، وإخطارات وقف بناء وهدم، إلى جانب توسيع النشاط الاستعماري والاستيلاء على الأراضي.

وتتركز العديد من عمليات الهدم في المناطق المصنفة "ج"، حيث تفرض سلطات الاحتلال قيودًا مشددة على البناء الفلسطيني، ما يدفع العديد من أصحاب الأراضي إلى خوض مسارات قانونية طويلة أمام المحاكم الإسرائيلية في محاولة للحفاظ على ممتلكاتهم، إلا أن كثيرًا منهم يواجهون في النهاية تنفيذ قرارات الهدم رغم استمرار الإجراءات في المحاكم.

وفي المقابل تشهد محافظة جنين توسعا في المشاريع الاستعمارية والبؤر الاستعمارية، إلى جانب السيطرة على مساحات من الأراضي الزراعية، ما يزيد من الضغوط على التجمعات الفلسطينية ويهدد ارتباط المواطنين بأراضيهم ومصادر رزقهم.

وخلال الفترة الماضية، تصاعدت الإخطارات التي تستهدف منشآت ومنازل في عدد من بلدات وقرى المحافظة، بينها عنزة وعرابة وقرى جنوب جنين، فيما يواجه الأهالي خطر فقدان مساكنهم ومنشآتهم التي تمثل بالنسبة للكثير منهم استثمار العمر ومصدر الدخل الأساسي.

ــ

ز.ع/ و.أ

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا