أريحا 6-11-2026 وفا– نديم علاوي
يستعيد حرفيون وهواة، تحت مظلة مهرجان "خيزران" المقام على أراضي جمعية المشروع الإنشائي العربي شرق أريحا، شيئا من ماضي المدينة التي اشتهرت بحرف وصناعات طوب الطين والفخار والقصب وسعف النخل.
والخيزران تعتبر حرفة أصيلة استمد المهرجان اسمه منها.
ويقول قائمون على المهرجان لـ"وفا" إن حرفة الخيزران ارتبطت بفلسطين منذ نحو قرن، وتحديدا من خلال فصول دار الأيتام الإسلامية الصناعية في القدس التي تأسست عام 1922، ويربطون ظهورها بمعرض أقامته الدار عام 1927 بعد الزلزال الذي ضرب فلسطين. وبحسبهم، كان الخيزران إلى جانب النجارة والتجليد حرفا علمتها مدرسة الأيتام قبل انتقال الحرفة إلى مدن فلسطينية أخرى.
ويؤكد الناطق الإعلامي باسم المهرجان فراس الصيفي أن فكرة الخيزران التي بدأت في القدس أصبحت مساحة لاحتضان الصناعات والحرف اليدوية في المهرجان، وهو ما يعيد وصل العلاقة التاريخية بين أريحا والقدس عبر استضافة أريحا الحدث، فيما تتبنى دار الأيتام الإسلامية في القدس حرفة الخيزران وتعمل على تطويرها.
ووفق الصيفي، يضم المهرجان أكثر من 100 كشك ومحل لتسويق المنتجات الفلسطينية، يعرض فيها مشاركون بقية ما حفظته أياديهم عن أيدي الآباء والأجداد من تراث يحفظ التاريخ والاقتصاد.
ومن بين المنتجات المعروضة: الخيزران، والتطريز، والتمور، وأكشاك لجمعيات تعاونية ونسائية، ومنتجات فلسطينية أصيلة، في عودة إلى ماضي "ميكانيكيا الأيادي".
ويشهد المهرجان إقامة برامج وأنشطة فنية وتراثية في مختلف مرافقه، تستهدف استقطاب الزوار وإثراء تجربتهم واستمرار التسوق.
وقال الصيفي، إن ريع المهرجان سيخصص لدعم مشاريع الجمعية، ومن بينها إنشاء كلية في المشروع تعنى بتعليم أبناء الأسر المتعففة مهنا وحرفا فلسطينية وصناعات يدوية وزراعة ونجارة وحدادة.
ومن على منصة إطلاق المهرجان، تحدث رئيس لجنة المهرجان التحضيرية، عضو مجلس إدارة المشروع الإنشائي حسام شاهين أمام وفود حضرت المهرجان، عن تأسيس المشروع العربي عام 1945 لمساندة المزارع والفلاح الفلسطيني في مواجهة المشروع الاستعماري الذي مثلته آنذاك "الكيبوتسات" الإسرائيلية، حتى وقفت الجمعية اليوم أمام إعادة إحياء الحرف اليدوية، مؤكدا أن "مساهمها الحقيقي ليس صاحب رأس المال، لكن الفقير والمحتاج واليتيم، والفئات التي وجدت الجمعية أساسا لاحتضانها ومساندتها".
وكشف شاهين عن تطلع الجمعية إلى تنظيم "مهرجان فلسطين الدولي للحرف اليدوية" على أرضها العام المقبل.
وفي أحد أكشاك المهرجان، يعرض المعلم في مدرسة الأيتام الإسلامية بالقدس زياد الضبة (74 عاما) مقتنيات من الخيزران، وهي حرفة رافقته 54 عاما، حتى بات واحدا من آخر من يمارسونها، والوحيد العامل في هذه الصنعة.
ويشكو الضبة من أن هذه الحرف أخذت بالاندثار مع اتساع الاعتماد على المنتجات الأجنبية والمستوردة، رغم ما تمتلكه من قيمة وجودة وقدرة على الاستمرار، وأنها تشكل أثاث منزل متكامل يغني عن كثير من المقتنيات المستوردة، ويعيد الاعتبار لمنتج تصنعه الأيدي المحلية.
ويستدل الضبة على متانة هذه الصناعة بمقارنة بسيطة تختصر خبرته في الحرفة، قائلا: "البلاستيك إذا وضعته في الشتاء يفسد، وإذا وضعته تحت الشمس ينكمش، أما مصنوعات الخيزران فتبقى لسنوات".
وفلسطين التي لم تحظ بوافر من الثروات الطبيعية الثمينة كالذهب والبترول، تحظى بصناعات تقليدية ذات أبعاد تاريخية واقتصادية تجسد وجود شعبنا على أرضه، وتشكل مصدرا لتنمية الدخل الوطني وهوية تاريخية.
وارتبطت الصناعات التقليدية منذ زمن طويل بقطاع السياحة، وتسببت الإغلاقات المتكررة التي تفرضها سلطات الاحتلال والمعوقات الضريبية والإدارية في القضاء على فرص وإمكانيات تسويق منتجات هذه الصناعة عبر قطاع السياحة، ما أدى إلى إغلاق العديد من المشاغل والمنشآت العاملة في هذا المجال.
ويدعو الصيفي وشاهين والضبة وغيرهم إلى ألا تبقى الحرف الفلسطينية منتجات تعرض في المهرجانات فقط، بل مهنا تعلم، ومشاريع تنتج، وأبواب رزق تفتح للأجيال القادمة.
ويستمر المهرجان 3 أيام، ويأمل القائمون عليه إعادة الاعتبار للصناعات الفلسطينية رغم الاعتماد على المنتجات المستوردة؛ فالمعادلة، كما ترويها ألسن الحرفيين وأيديهم، ليست حفظ الإرث مع انتهاء فعاليات "خيزران"، بل استعادة جزء من قدرة الفلسطينيين على صناعة حاجياتهم بأيديهم.
ـــــ
ن.ع/ م.ع


