غزة 5-11-2026 وفا- صفاء البريم:
بعد مرور شهر ونصف على انطلاق العام الدراسي 2026/2027، لم يعد السؤال في قطاع غزة هو: "هل عاد الطلاب إلى المدارس؟"، بل "أين عادوا".
ففي القطاع، تحولت الخيام والكرفانات وأطلال المباني إلى فصول دراسية، يحاول فيها أكثر من نصف مليون طالب استكمال عامهم الدراسي وسط الدمار والنزوح ونقص الإمكانات. فالعودة إلى التعليم بدأت بالفعل، لكنها لا تعني العودة إلى المدارس بصورتها المعتادة، في ظل تدمير الاحتلال معظم المؤسسات التعليمية.
في إحدى النقاط التعليمية المؤقتة غرب خان يونس، تجلس الطالبة بسمة حسان (15 عاماً) برفقة زميلاتها على مرتبة موضوعة فوق الأرض الرملية، في مكان يفتقر إلى المقاعد والإضاءة، ولا تتوفر فيه حتى الدفاتر والأقلام بالكميات الكافية. ومع ذلك، تصر بسمة على مواصلة تعليمها.
وتقول بسمة، التي نزحت مع أسرتها وتعيش في خيمة منذ ثلاث سنوات: :"قبل الحرب كنا ندرس في مدارس منظمة وفصول فيها كل وسائل التعلم، أما الآن فنحن ننتقل من خيمة إلى خيمة، لكننا مصرون على أن نتعلم ونكمل تعليمنا؛ لأن التعليم مهم بالنسبة لنا كالماء والهواء".
أما يزن عمار، طالب الصف السادس الأساسي، فلم تعد العودة إلى المدرسة تعني له الفرح الذي كان يشعر به قبل الحرب، إذ باتت مرتبطة بالخوف من أصوات الرصاص والقصف.
ويقول: "قبل كنا نصحى مبسوطين نروح على المدرسة، أما الآن فنأتي إلى المدرسة ونحن خائفون من الطلق الطائش والصواريخ والقذائف التي لا تتوقف، وتعود بين الحين والآخر".
وتعكس هذه الشهادات واقعاً تعليمياً بالغ الصعوبة، في ظل الخسائر البشرية والمادية الكبيرة التي لحقت بالقطاع التعليمي منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
وأعلنت وزارة التربية والتعليم العالي، في تقريرها الإحصائي حول الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق القطاع التعليمي في فلسطين خلال السنوات الثلاث للحرب، أن حصيلة الشهداء من الطلبة في قطاع غزة تجاوزت 19,189 طالباً وطالبة في المدارس، و1,386 طالباً وطالبة في الجامعات، فيما أصيب 28,586 طالباً مدرسياً و3,082 طالباً جامعياً بجروح متفاوتة.
كما دمر الاحتلال أكثر من 90% من المدارس والمؤسسات الأكاديمية بشكل كلي أو جزئي، وفقاً للتقرير.
ولم تقتصر الخسائر على الطلبة والمنشآت التعليمية، إذ استشهد في قطاع غزة 805 من العاملين في المدارس و246 من المحاضرين والعاملين في الجامعات، إضافة إلى إصابة 3,298 من العاملين في المدارس و1,493 من العاملين في الجامعات.
وعلى بعد أمتار قليلة، يجلس محمود عبد العال (12 عاماً) بين زملائه على فرش داخل خيمة تفتقر إلى أبسط مقومات التهوية. لا يملك حذاءً مناسباً ولا دفاتر، لكنه يتمسك بحقه في التعلم، ويستعد مع زملائه لتقديم اختبارات منتصف الفصل الدراسي الأول.
ويقول محمود: "رغم أننا ندرس في خيام، ولا توجد تهوية أو أي شيء، ولا مقاعد ولا دفاتر ولا أقلام، إلا أننا سنواصل القراءة والتعلم في الخيمة، ونستعد لتقديم اختبارات منتصف الفصل الدراسي الأول".
ولا يقتصر التحدي على الطلبة، بل يمتد إلى عائلاتهم التي تحاول إعادة أبنائها إلى مقاعد الدراسة، رغم الظروف المعيشية القاسية التي فرضتها الحرب والنزوح.
وتقول هالة حمدان، والدة أحد الطلاب الملتحقين بإحدى النقاط التعليمية في مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة: "نحن متحمسون جداً لعودة أبنائنا إلى الدراسة، فقد عانوا كثيراً خلال الحرب، من الاصطفاف في طوابير التكيات وتعبئة المياه، ونرجو أن تكون هذه سنة جيدة".
لكن حمدان تشير إلى أن الظروف داخل ما يسمى بمساحات التعلم لا تزال صعبة، موضحة أن بعض الصفوف تضم ما بين 50 و60 طالباً، يجلس عدد منهم، إن لم يكن معظمهم، على الأرض، فضلاً عن أن اقتصار الدراسة على ثلاثة أيام أسبوعياً لا يكفي لتعويض ما فاتهُم من تعليم.
معلمون بإمكانات محدودة
ولم يكن المعلمون بمنأى عن تداعيات الحرب، فبعد استشهاد المئات منهم وتدمير المدارس، يواصل من تبقى منهم أداء رسالتهم التعليمية في ظروف بالغة القسوة، وبإمكانات محدودة لا تلبي الحد الأدنى من متطلبات العملية التعليمية.
ويقول أحد المعلمين في مدرسة حكومية غرب خان يونس: "نعلم في خيمة لا تصلح لجلوس البشر، ولا تتوفر سبورة كافية أو كتب. الطلاب متعطشون للتعلم رغم الحرب والدمار، لكن الإمكانات معدومة. نحن نؤدي واجباً إنسانياً أكثر منه تعليمياً".
من جهتها، تقول المعلمة رندة عودة إن المعلمين يواصلون عملهم وسط نقص شديد في التجهيزات وضغوط مالية، في ظل الخصومات على رواتبهم نتيجة الأزمة المالية التي تعاني منها السلطة الفلسطينية بسبب احتجاز الاحتلال الإسرائيلي أموال المقاصة.
وتضيف أن البيئة التعليمية تفتقر إلى أبسط الاحتياجات، حتى إن المقاعد التي يحتاج إليها المعلم والطالب لا تتوفر في كثير من الأحيان.
وتقول عودة، التي تدرّس المرحلة الابتدائية منذ عام 2011: "نحن سعداء جداً ببدء العام الدراسي، خاصة أننا نقترب من إجراء تقييمات الفصل الأول. لقد كفى ثلاث سنوات من الانقطاع عن التعليم، ونريد الاستمرار رغم محدودية الموارد".
ثلاث سنوات من الفاقد التعليمي وأزمة نفسية متفاقمة
وبينما يحاول الطلبة والمعلمون استئناف العملية التعليمية، يقدّر خبراء تربويون أن أطفال غزة فقدوا ما يقارب ثلاث سنوات دراسية منذ بدء الحرب، وهي سنوات كان من المفترض أن تشكل أساساً مهماً في بناء معارفهم ومهاراتهم ونموهم النفسي والاجتماعي.
وفي تقرير صدر في 27 كانون الثاني/ يناير 2026، حذر المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، جيمس إلدر، من تداعيات الهجمات على التعليم في قطاع غزة، مشيراً إلى أن "سنوات من التقدم قد مُحيت"، وأن ما يجري لا يقتصر على التدمير المادي، بل يمثل "هجوماً على المستقبل نفسه".
وأشارت المنظمة إلى أن التعليم في غزة كان قبل الحرب مصدر فخر للفلسطينيين، إذ تمتع القطاع بواحد من أعلى معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة في العالم، إلا أن هذا الإرث بات اليوم مهدداً بشكل خطير.
ولا تقل التداعيات النفسية للحرب خطورة عن الخسائر التعليمية، إذ تشير بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان الصادرة في آذار/ مارس 2026 إلى أن أكثر من مليون طفل في غزة بحاجة إلى دعم نفسي واجتماعي، وأن 96% منهم يشعرون بأن الموت وشيك.
وبحسب البيانات ذاتها، يعاني نحو 61% من المراهقين والشباب من اضطراب ما بعد الصدمة، و38% من الاكتئاب، و41% من القلق.
وفي ظل هذه الظروف، لا يقتصر التحدي على تعويض ما فقده الأطفال من سنوات دراسية، بل يمتد إلى مساعدتهم على تجاوز آثار الخوف والصدمة النفسية التي خلفتها الحرب، وتمكينهم من العودة إلى بيئة تعليمية توفر لهم الأمان والاستقرار.
وتؤكد اليونيسف أن التعليم في غزة يؤدي دوراً يتجاوز التحصيل الدراسي، إذ يسهم في إنقاذ الأرواح من خلال توفير مساحات آمنة للأطفال، وإعادة الروتين إلى حياتهم، وإتاحة الوصول إلى خدمات الصحة والتغذية والحماية.
لكن هذه المساحات التعليمية، في ظل استمرار القصف ونقص التمويل والإمكانات، لا تزال محاولات محدودة لإنقاذ نظام تعليمي كان يوماً مصدر فخر للقطاع.
وبعد شهر ونصف على انطلاق العام الدراسي، ومع اقتراب تقييمات منتصف الفصل الأول، يمكن القول إن التعليم في غزة استأنف مسيرته، لكنه لا يزال يجري على أرض رملية، تحت أشعة الشمس الحارقة، وفي خيام لا تقي برد الشتاء المقبل ولا تحمي من قصف مفاجئ.
ففي غزة، لم يعد السؤال مجرد ما إذا كان الأطفال سيتمكنون من مواصلة تعليمهم، بل ما إذا كانوا سيتمكنون من استعادة شعورهم بالأمان، والاحتفاظ بقدرتهم على التعلم والحلم بمستقبل أفضل.
ــ
إ.ر


