الرئيسية تقارير وتحقيقات تاريخ النشر: 21/03/2022 11:32 ص

أمهات على جبهة الانتظار

طولكرم 21-3-2022 وفا- هدى حبايب

مر يوم الأم ثقيلا على آمنة رداد "أم عاهد"، والدة الأسير المريض معتصم رداد ابن بلدة صيدا شمال طولكرم، القابع في مستشفى سجن الرملة منذ سنوات طويلة، ويقضي حكما بالسجن (20 عاما). 

وفي الوقت الذي يحتفل العالم بهذه المناسبة، لم تشأ والدة معتصم تذكر هذا اليوم، فهو بالنسبة لها ذكرى أليمة ومرارة تسكن فؤادها منذ اعتقل ابنها عام 2006، تحاول نسيان "يوم الأم"، ولكن هيهات أن يمحى من ذاكرتها، ومن حولها يبذلون جهدا من أجل إدخال السعادة إلى قلبها المرتجف من فقدان فلذة كبدها في أية لحظة.

تقلب بين كفيها صور معتصم.. تتأمل فيها دقائق معدودة قد تطول لساعات دون أن تشعر بالوقت، تذرف دموعها تارة، وأخرى تبتسم ابتسامة تشق طريقها من بين الدموع، وهي تمسح على وجهه بحنية وتتحدث إليه وكأنه ماثل أمامها، وتقول: "أريد ابني على قيد الحياة لا أن يخرج محمولا على الأكتاف".

وحالة أم عاهد هي حالة الكثير من أمهات الأسرى اللواتي يعشن الألم والحزن على فراق أبنائهن، ويتفاقم وضعهن سوءا مع مرور عشرات السنوات، بعدما شقت الأمراض المزمنة طريقها لأجساد عدد كبير منهن ممن تجاوزت أعمارهن الـ60 عاما، فكانت لهن بالمرصاد، فصرن أمهات على جبهة الانتظار، هناك والدة شادي مطر المحكوم 24 عاما، وأم يوسف مهداوي المحكوم مدى الحياة، وهذه أم أحمد عواد المحكوم 40 عاما، والقائمة تطول، وكثيرات غيبهن الموت حيث أم حاتم الجيوسي، وأم جهاد قاسم، ووالدة الأسير إياد نصار، فرحلن دون رجعة، وقلوبهن كانت تتفطر شوقا لمعانقة فلذات أكبادهن.

وتحلم أم عاهد وهي في أوائل العقد السابع من العمر، بأن تنحسر المسافة المكانية والزمانية كي تحتضن ولدها البعيد الذي يصارع المرض بكل إرادة وصلابة، وتتلهف على رؤيته وهي تقول "الله يجبرني ويعيني على فراق معتصم"، تفتقده في كل لحظة بل لا يغيب عن بالها، دائمة الدعاء له بالفرج وتحفه بالرضا، فكل ركن في المنزل يذكرها به، وكل مناسبة تمر لمعتصم الحصة الأكبر في القلب، ووصفته بالشاب الخلوق والحنون، وأنه ترك فراغا لا يمكن أن يشغله أحد.

"الله يحن عليه ويشافيه ويعافيه ويحماه" تدعو أم عاهد.

ولمعتصم مكانة خاصة ومميزة عند والدته، غير شقيقيه الذكور، وتصفه بأنه كان أكبر من سنه منذ كان طفلا، يلبي لها كل ما تطلبه دون نقاش أو تذمر، بل يقابل طلبها برحابة صدر، حتى لو كان المكان بعيدا، ولكن ما كان يخيفها عليه أن يكون قد تعرض للدغات الأفاعي والحشرات، خاصة وأنه كان يهوى صيد العصافير في الأراضي والجبال ليلا ونهارا منذ أن كان طفلا.

وتعود "أم عاهد" بذاكرتها إلى 16 عاما مضت على فراق معتصم الذي بلغ من العمر (39 عاما)، وتنقل بين سجون الاحتلال ليستقر به الحال في مستشفى سجن الرملة يعاني ألم المرض ومعاناة القهر، وتتذكر عندما اعتقله الاحتلال، في كمين نصبه بعد محاصرته لإحدى البنايات في جنين، حيث سمعت وهي في طريق عودتها إلى المنزل بالسيارة وعبر الراديو عن وقوع شهيدين واعتقال عدد من الشبان، وأحست بأن معتصم من ضمنهم، وما أن دخلت المنزل وسألت وين معتصم؟؟ لتدرك أن معتصم قد اعتقل.

وتقول أم عاهد: " كان هذا الاعتقال الثاني لمعتصم، حيث اعتقل عندما كان بعمر الـ18 عاما، وحكم عليه بالسجن عامين، وخرج بعد 18 شهرا ودفع غرامة مالية قدرها ثلاثة آلاف شيقل، وبعد عام تم مطاردته من قبل الاحتلال، ليعتقله بتاريخ 12-1-2006".  

وتعبر بحزن "عمر الحسرة ما بتطلع من قلبي، بيروح الليل، وبيروح النهار، وأنا أفكر فيه"، وما يهون عليها أن ابنها الأسير يتمتع بمعنويات عالية رغم ظروف الأسر والمرض الخطير الذي ألم به منذ 13 عاما، فعندما تزوره يظهر لها أنه بخير، لا يتحدث عن مرضه ولا أوجاعه، يردد دائما "اطمني يما أنا بخير".

هيئة شؤون الأسرى والمحررين كشفت أن حالة الأسير معتصم رداد تعتبر من أخطر الحالات المرضية الموجودة داخل ما يسمى "عيادة سجن الرملة"، يعاني من عدة أمراض منها التهابات حادة في الأمعاء، ويتناول عشرات الحبوب والأدوية يوميا خاصة حقن (الريميكيد) التي مدتها 4 ساعات وحقن (الكورتزون)، كما يعاني من ارتفاع في ضغط الدم، وتسارع في دقات القلب، ومن هشاشة العظام، ومشاكل في الأعصاب، وفي الآونة الأخيرة يعاني من فقر في الدم فقد وصلت نسبة دمه إلى 8، الأمر الذي أدى إلى انخفاض وزنه ليصبح 54 كغم.

وفي عام 2018، أُصيب بفيروس في يديه وقدميه نتيجة لضعف المناعة لديه، تسبب له بانتشار حبوب وآلام حادة في جسده، وكان قد تعرض خلال عملية اعتقاله لإصابات بعشرات الشظايا، وواجه ظروفا اعتقاليه قاسية وصعبة ساهمت في تفاقم وضعه الصحي، إلى ما وصل عليه الآن.

وخلال فترة انتشار جائحة "كورونا"، ومع منع زيارات أهالي الأسرى، انقطعت أخبار معتصم عن عائلته، وبعد السماح بالزيارات مرة أخرى، أصبح يسمح لشخص واحد فقط، وتقوم والدته بزيارته في المستشفى كل شهر، ويتحامل معتصم على مرضه وأوجاعه حتى لا يشعر والدته بما يعيشه من ألم، ولكن كان قلبها يحدثها أنه ليس بخير، وما أكد لها ذلك زميلاه المقعدان الأسيران خالد الشاويش ومنصور موقدي، اللذان أخبراها في إحدى الزيارات في المستشفى، أن معتصم لا يستطيع النوم أكثر من ثلاث ساعات في الليل من شدة أوجاعه، وفي كثير من الأوقات يقضي ليلته دون نوم بسبب الألم الشديد. 

واعتبرت أم عاهد الإبقاء على اعتقال ابنها الذي هو بين الحياة والموت، قيد الأسر، تعذيبا جسديا ونفسيا، ضمن سياسة العقاب الجماعي الذي تمارسه سلطات الاحتلال بحق الأسرى المرضى، خاصة الشباب في مقتبل العمر، الذين لا ذنب لهم سوى مطالبتهم بحقهم العادل في الحرية والعيش بكرامة، فهي تقضي بأحكامها وعقابها التعسفي على آمال الآلاف من الأسرى الذين يعانون من أمراض خطيرة مزمنة، وهم بأمس الحاجة أن يقف معهم الجميع ويساندوهم في محنتهم.

وتبرق برسالتها لمعتصم في يوم الأم "ريتك تروح سالم غانم مكروم الوجه، وربي يشفيك ويعافيك، ومثل ما اطلعت من عنا مثل الوردة ترجع مثلها".

ــــــــ

/ ف.ع

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا