جنين 3-8-2026 وفا- زهران معالي
لم تكن أوامر الاحتلال الإسرائيلي الخمسة عشر الأخيرة مجرد سلسلة قرارات عسكرية لوضع اليد على نحو 200 دونم من أراضي محافظة جنين، بل بدت وفق قراءة الخرائط وشهادات مختصين، جزءا من مشروع أوسع يعيد رسم الجغرافيا في جنوب المحافظة، ويغير شكل الحركة والاقتصاد والعمران فيها لسنوات مقبلة.
وخلال الأسبوع الماضي، أصدر جيش الاحتلال 15 أمراً عسكرياً لوضع اليد على ما مجموعه 199.824 دونم من أراضي محافظة جنين، خصص 14 أمراً منها لشق طرق عسكرية وتوسعتها بطول إجمالي يبلغ 11.326 كيلومتر، فيما خصص الأمر العسكري رقم (ت/90/26) مساحة 22.026 دونم من أراضي بلدة اليامون لإقامة موقع عسكري وشق طريق وصول إليه.
لكن الأرقام، كما يقول مختصون، لا تروي القصة كاملة، فالقضية لا تتعلق بمساحات محددة من الأرض بقدر ما تتعلق بوظيفة هذه الأراضي وموقعها في الخريطة الجديدة التي يجري رسمها.
فالطرق العسكرية المقترحة تمتد بين عرابة وقباطية ومسلية ومركة والجربة، وهي بلدات تشكل الشريط الحيوي الجنوبي لمحافظة جنين، وتضم أراضي زراعية واسعة ومناطق إستراتيجية تشرف على محاور الحركة الرئيسية، كما تمثل مجال التوسع العمراني المستقبلي لهذه التجمعات.
ويقول مسؤول ملف الاستيطان في محافظة جنين طارق إغبارية، في حديث لمراسل "وفا": إن ما يجري "ليس احتياجاً عسكرياً مؤقتاً، وإنما مشروع متكامل لإعادة هندسة السيطرة العسكرية والأمنية في المحافظة".
ويضيف أن قراءة الخرائط تكشف عن "ضم زاحف وإعادة هندسة جغرافية وديمغرافية لشمال الضفة الغربية"، من خلال السيطرة على المناطق الحيوية وتقطيع أوصال الأراضي الفلسطينية وعزل التجمعات السكانية عن بعضها البعض.
ويرى إغبارية أن خطورة هذه الأوامر تكمن في تجاوزها حدود المناطق المصنفة (ج)، إذ تمتد بعض الأوامر إلى مناطق مصنفة (أ)، وهو ما يشكل، بحسبه، تطوراً لافتاً منذ توقيع اتفاق أوسلو، ويعكس محاولة فرض واقع عسكري جديد داخل مناطق يُفترض أنها خاضعة للولاية الفلسطينية.
وتشير بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى أن 12 أمراً تقع بالكامل داخل المنطقة المصنفة (ج)، بينما يستهدف الأمر (ت/95/26) أراضي بلدات قباطية ومركة والجربة داخل المنطقة المصنفة (أ)، وتمتد أوامر أخرى بين المنطقتين (أ) و(ج).
وتُظهر الخرائط، بحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، أن الطرق العسكرية الجديدة لا تقف عند حدود السيطرة على الأراضي التي شملتها الأوامر، بل تشكل شبكة تربط بين موقعي "نوعاه" و"عيمك دوتان" الاستعماريين اللذين أقرت الحكومة الإسرائيلية إنشاءهما في محافظة جنين.
ويشير مختصون إلى أن شق الطرق يمثل مرحلة أساسية تسبق تثبيت أي وجود استعماري جديد، إذ توفر هذه الطرق إمكانية الحركة الآمنة لقوات الاحتلال والمستعمرين، وتسمح بإقامة نقاط عسكرية ومواقع مراقبة على امتدادها.
ويرى إغبارية أن الاحتلال لا يبدأ بالمستعمرة فقط، بل يبدأ أولاً بـ"هندسة المكان"، من خلال فتح الطرق وتأمين الحماية العسكرية، ثم الانتقال لاحقاً إلى تثبيت الوجود الاستعماري المدني.
ويقول: إن هذه المنظومة ستؤدي إلى زيادة السيطرة على الحركة، وإمكانية إقامة بوابات وحواجز ومواقع عسكرية جديدة، بما يفرض قيوداً إضافية على المواطنين.
وفي بلدة قباطية، تبدو آثار هذه القرارات أكثر وضوحا، وتتجسد هذه المعطيات ميدانياً في المنطقة الواقعة بين قباطية ومسلية، حيث تتواصل أعمال التجريف التي تنفذها جرافات الاحتلال تمهيداً لإقامة مستعمرة "نوعاه"، بالتزامن مع تحركات عسكرية مكثفة في محيط الموقع.
وتشير هذه الأعمال إلى انتقال المشروع من مرحلة التخطيط والقرارات السياسية إلى مرحلة تهيئة الأرض والبنية التحتية اللازمة، من خلال فتح الطرق وتجهيز المسارات التي ستربط الموقع الجديد بشبكة الطرق والمواقع العسكرية القائمة.
وبحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، فإن إنشاء الطرق العسكرية المرتبطة بالمواقع الاستعمارية الجديدة لا يقتصر على خدمة الوصول إليها، بل يشكل جزءاً من منظومة أوسع لتأمينها وحمايتها، عبر وجود عسكري دائم وبنية يساعدان على تثبيت هذه المواقع وتوسيعها مستقبلاً.
وفي هذه المنطقة تحديداً، تتقاطع أعمال التجريف مع أراضٍ تشكل امتدادا جغرافيا واقتصاديا لبلدات جنوب جنين، الأمر الذي يضع مستقبل الأرض والتوسع العمراني والنشاط الاقتصادي أمام تحديات جديدة.
ويؤكد رئيس البلدية بلال عساف لـ"وفا"، أن الأراضي المستهدفة ليست مجرد مساحات زراعية، بل تمثل الامتداد الطبيعي للبلدة باتجاه مسلية، وتشكل مخزونها المستقبلي للتوسع العمراني.
ويقول: إن السيطرة على هذه الأراضي ستؤثر في قدرة قباطية على النمو والتوسع، في ظل محدودية المساحات المتاحة أمام الزيادة السكانية.
ولا تقتصر الخسارة على الجانب العمراني، إذ إن أغلبية هذه الأراضي مزروعة بأشجار الزيتون وتشكل مصدر رزق للعديد من العائلات، كما ترتبط بالمنطقة الصناعية الواقعة بين قباطية والزبابدة، التي تضم كسارات ومحاجر ومصانع توفر فرص عمل واسعة، وفق ما يؤكد عساف.
ويحذر من أن فرض واقع عسكري أو استعماري جديد في المنطقة قد ينعكس على حركة المنشآت والعمال، ويشكل ضغطاً إضافياً على اقتصاد البلدة.
ومن الناحية القانونية، يوضح المستشار القانوني في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان محمد الأطرش أن هناك فرقاً أساسياً بين أمر وضع اليد وأمر الاستيلاء.
ويقول: إن أمر الاستيلاء يؤدي إلى نزع ملكية الأرض ونقلها إلى سلطات الاحتلال، بينما أمر وضع اليد لا ينقل الملكية، وإنما يمنع أصحاب الأرض من الوصول إليها أو الانتفاع بها بحجة وجود احتياج أمني يحدده قائد الجيش.
لكن الأطرش يؤكد أن التجربة على مدار السنوات الماضية أظهرت أن الاحتلال يستخدم أوامر وضع اليد كأداة للسيطرة طويلة الأمد.
ويقول: "المشكلة ليست في الأمر العسكري المؤقت فقط، وإنما فيما يأتي بعده، لأن الاحتلال يبدأ بذريعة أمنية مؤقتة، ثم يعمل على تمديد الأمر سنوات طويلة، قبل أن تتحول البنية التي أقيمت إلى واقع دائم يخدم المشروع الاستعماري".
ويضيف أن الخطورة الأكبر تكمن في أن هذه الأوامر لا تُستخدم فقط لشق الطرق، بل لإنشاء منظومة متكاملة تشمل طرقاً ومواقع عسكرية ونقاط مراقبة، تمهد لاحقاً لربط المواقع الاستعمارية وتثبيت وجودها.
مناطق (أ).. سابقة تتجاوز الترتيبات القائمة
ويعتبر الأطرش أن وصول أوامر وضع اليد إلى أراضٍ مصنفة (أ) يحمل دلالة قانونية وسياسية كبيرة.
ويقول: إن السيطرة العسكرية الإسرائيلية على مناطق مصنفة (أ) من خلال أوامر عسكرية تمثل خرقاً للترتيبات التي نص عليها اتفاق أوسلو، باعتبار أن هذه المناطق تخضع للولاية المدنية والأمنية الفلسطينية.
ويضيف أن الإشكالية في هذه الحالات لا تتعلق بالقانون فقط، وإنما بوجود أزمة سياسية مرتبطة بمحاولة فرض الولاية القضائية الإسرائيلية على مناطق لا تخضع لها وفق الاتفاقيات الموقعة.
وأشار إلى أن أصحاب الأراضي في المناطق المصنفة (ج) يجري العمل على تقديم اعتراضات قانونية نيابة عنهم، لكن التعامل مع الأوامر التي تمس مناطق (أ) و(ب) يحتاج إلى مسار سياسي ودبلوماسي إلى جانب المسار القانوني.
واختيار الشريط الممتد من عرابة إلى قباطية ومسلية لم يكن، بحسب المختصين، أمراً عشوائياً، كون المنطقة تشرف على محاور الحركة الرئيسية جنوب جنين، وتضم سهل عرابة الذي يعد من أهم المناطق الزراعية في المحافظة، كما تمثل نقطة الربط بين مدينة جنين والقرى الجنوبية والمحافظات الأخرى.
ومن خلال شبكة الطرق العسكرية الجديدة، يصبح الاحتلال أكثر قدرة على التحكم في هذه المحاور وتأمين حركة قواته ومستعمريه، مقابل زيادة القيود على حركة الفلسطينيين.
وقد تبدو مساحة الأراضي التي شملتها الأوامر محدودة مقارنة بمساحة محافظة جنين، لكن التحول الحقيقي يكمن في الوظيفة التي تؤديها هذه الأوامر.
وبينما تستعد البلديات وأصحاب الأراضي لتقديم الاعتراضات القانونية، تبدو المعركة، وفق المعطيات الميدانية والقانونية، أبعد من استرداد مئات الدونمات؛ فهي تتعلق بمستقبل الجغرافيا الفلسطينية في جنوب جنين، وما إذا كانت المحافظة ستبقى فضاءً متصلاً، أم تتحول تدريجياً إلى تجمعات منفصلة تفصل بينها الطرق العسكرية والحواجز والمستعمرات.
ــــ
ز.ع/ م.ل


