أهم الاخبار
الرئيسية تقارير وتحقيقات
تاريخ النشر: 19/07/2026 09:35 ص

كيف تحوّلت مياه الأغوار إلى أداة للاقتلاع والتهجير القسري؟

 

الأغوار 19-7-2026 وفا- إسراء غوراني

مضت ستة أشهر على تهجير تجمع "رأس عين العوجا" قسرًا من موقعه التاريخي بمحاذاة نبع العوجا وسط الأغوار، الذي شكّل لعقود شريان الحياة للتجمع؛ فباتت نحو 120 أسرة تضم أكثر من 600 نسمة مشتتة في مواقع نزوح تفتقر إلى مقومات الحياة الأساسية.

وجاء هذا التهجير بعد سلسلة اعتداءات للمستعمرين بدأت بإقامة بؤرة رعوية قرب النبع، والاستيلاء على مياهه وتجفيفها، والاستيلاء على الأراضي الرعوية المحيطة، وصولا إلى الاعتداءات اليومية التي أدت إلى تهجير التجمع، المصنف كأكبر التجمعات البدوية والرعوية المهجرة قسرًا خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة.

يستعيد المواطن هيثم رشايدة بمرارة تفاصيل ثلاثة أعوام من الخسائر التي أعقبت إقامة البؤرة الاستعمارية وحرمان الأهالي من مصادر المياه التي اعتمدوا عليها في حياتهم وتربية مواشيهم.

ويقول رشايدة، الذي يقيم اليوم مع عائلته في منطقة تبعد بضعة كيلومترات عن تجمعهم المهجر وسط ظروف قاسية: "عشنا في رأس عين العوجا جيلًا بعد جيل، لكننا لم نشهد ما شهدناه خلال السنوات الأخيرة… لقد قطعوا عنا شريان الحياة".

ولم يكتفِ المستعمرون بمنع المواطنين من استغلال النبع؛ بل حوّلوا مسار قنواته المائية التي كانت تغذي التجمع والأراضي الزراعية في قرية العوجا المجاورة؛ ما دفع العائلات إلى محاولة التكيف عبر شراء صهاريج المياه؛ ما حمّلها أعباءً مالية باهظة.

ويوضح رشايدة، الذي كان يملك 400 رأس ماشية، أنه بات يشتري صهريج مياه بسعة 10 أمتار مكعبة كل يومين، إلى جانب شراء الأعلاف إثر استيلاء المستعمرين على المراعي؛ ما أفقد تربية الماشية جدواها الاقتصادية.

وتصاعدت الاعتداءات لتشمل مهاجمة التجمع وسرقة المواشي؛ فقبيل التهجير بأشهر، فقد رشايدة قطيعه كاملًا إثر هجوم عنيف سرق خلاله المستعمرون نحو 1500 رأس ماشية تعود له ولجيرانه، ومع تواصل الاعتداءات اليومية واقتحام المساكن وترويع الأطفال، اضطر الأهالي إلى الرحيل قسرًا.

ووفق تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) الصادر في 19 آذار/ مارس 2026، فقد هُجّر نحو 600 فلسطيني من تجمع رأس عين العوجا خلال كانون الثاني/ يناير 2026، في أكبر عملية تهجير لتجمع واحد نتيجة هجمات المستعمرين وقيود الوصول خلال السنوات الثلاث الماضية.

من عين العوجا إلى خلة خضر.. نمط استعماري واحد يلتهم الينابيع

في الأغوار الشمالية، تسارعت عمليات التهجير القسري مُغيّرة الواقع الديمغرافي عبر نمط يقوم على السيطرة على مصادر المياه والمراعي. ويُعد تجمع "خلة خضر" من أوائل التجمعات المهجرة هناك، بعدما سيّج المستعمرون نبع المياه الذي يحمل التجمع اسمه ومنعوا الأهالي من الوصول إليه عام 2022.

ويروي المواطن حامد دراغمة، الذي يربي 100 رأس ماشية تفاصيل معاناته ويقول: "حاولنا التكيف بنقل المياه بالصهاريج وشراء الأعلاف، إلا أن المستعمرين واصلوا مهاجمة التجمع بحماية جيش الاحتلال، الذي يتدخل لصالحهم ويعتقل السكان ويفرض عليهم الغرامات". ويضيف: "اضطررت إلى المغادرة بعد اعتقال نجليّ المتزوجين قبل نحو عامين".

خريطة توضح توزيع البؤر الاستعمارية في الضفة "هيئة مقاومة الجدار"

وتشير معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى أن عدد البؤر الاستعمارية الرعوية بلغ نحو 270 بؤرة من أصل 370 بؤرة متعددة الأغراض في الضفة الغربية، فيما تم توثيق إقامة 89 بؤرة رعوية جديدة خلال عام 2025 وحده.

ويمتد هذا النمط إلى ملاحقة صهاريج المياه البديلة. ويروي عايد زواهرة، المهجر من تجمع "الميتة" مطلع العام الجاري، أن الاعتداءات تصاعدت بشكل غير مسبوق تزامنًا مع حرب الإبادة على قطاع غزة؛ فأصبح نقل صهريج المياه إلى التجمع أشبه بمغامرة يومية؛ إذ كنا نتعرض لملاحقة المستعمرين وقوات الاحتلال في الطريق.

"حرب التعطيش".. سكبوا ما تبقى في الخزانات ليلة الرحيل

وفي تجمع "البرج" المهجر قسرًا في شباط/ فبراير 2026، ينقل نايف الفقير صورة أخرى لـ"حرب التعطيش"، قائلًا: "حتى الليلة الأخيرة قبل الرحيل، وبينما كنا نحزم مقتنياتنا، هاجمنا المستعمرون ليلًا، وسكبوا ما تبقى لدينا من مياه في الخزانات والصهاريج"، وهو سلوك يقول إنه بات يتكرر يوميًا في تجمعات أخرى مستهدفة بالترحيل.

هذا المصير يهدد اليوم ما تبقى من تجمعات، وفي مقدمتها "خربة الحمة" في الأغوار الشمالية؛ فمنذ أشهر، يواجه أهالي الخربة ظروفًا صعبة بعد إحكام المستعمرين سيطرتهم على نبع المياه وتسييجه بالكامل، وحرمان 20 عائلة تعتمد على الثروة الحيوانية من استخدامه.

وتواجه العائلات الـ20 خطر التهجير القسري؛ جراء ملاحقة الرعاة والاستيلاء على الأراضي واعتداءات المستعمرين القادمين من بؤرتين قريبتين؛ الأولى أقيمت عام 2016 جنوب التجمع، والثانية العام الماضي على أراضي قرية كردلة شمالًا.

ونتيجة لتقييد الوصول إلى المياه والمراعي، انخفضت أعداد الثروة الحيوانية في الحمة من 2500 رأس قبل سنوات إلى نحو 1700 رأس حاليًا.

ويوضح مهيوب فقها الذي يملك 120 رأسًا، أنه يشتري صهريج المياه بسعة 3 أمتار مكعبة بمبلغ 70 شيقلًا (25 دولارًا تقريبا)، وهي كمية لا تكفي مواشيه إلا يومًا واحدًا؛ ما يضاعف أعباءه المالية مع كلفة الأعلاف.

ووفقًا لأحدث معطيات مكتب "أوتشا" الصادرة في تموز/ يوليو الجاري، فقد تصاعدت هجمات المستعمرين وما يرتبط بها من قيود على الوصول منذ كانون الثاني/ يناير 2023 في شتى أرجاء الضفة الغربية، ولا سيما التجمعات البدائية والرعوية في المنطقة (ج).

فبين كانون الثاني/ يناير 2023 و6 تموز/ يوليو 2026، تعرض 121 تجمعا سكانيا فلسطينيا للتهجير الكامل أو الجزئي، من بينها 46 تجمعا هُجّرت بالكامل، عشرة منها منذ مطلع 2026، وفي الإجمال، هُجّر حوالي 6,200 فلسطيني، بينهم أكثر من 3,000 طفل، من ضمنهم ما يزيد على 2,300 شخص، و1,000 طفل هُجّروا في عام 2026 وحده.

خريطة توضح ينابيع المياه التي استولى عليها المستعمرون والينابيع المهددة بالاستيلاء (أريج 2024)

وأظهرت دراسة لمعهد الأبحاث التطبيقية (أريج) عام 2024 أن المياه تُستخدم أداة للضغط وتقويض بقاء الفلسطينيين، مشيرة إلى استيلاء المستعمرين، قبل الحرب الأخيرة على غزة، على 30 نبعًا من أصل أكثر من 56 في الضفة الغربية، وحرمان الفلسطينيين من الوصول إليها، إلى جانب تحكم سلطات الاحتلال في الموارد المائية وفرض قيود على حفر الآبار الارتوازية وتطوير البنية التحتية.

من الينابيع إلى الأراضي الزراعية

ولا تقتصر تداعيات السيطرة على المياه على الاستخدام المنزلي وتربية المواشي، بل تمتد إلى الزراعة التي تشكل مصدر رزق رئيسيًا لأهالي الأغوار.

وتصاعدت الانتهاكات منذ مطلع العام الجاري مع أعمال التجريف في عاطوف وسهل البقيعة شرق طوباس، ضمن المشروع الاستعماري المعروف باسم "الخيط القرمزي"؛ لشق طريق عسكري وإقامة جدار فاصل.

وبحسب رئيس المجلس القروي في عاطوف، عبد الله بشارات، فقد أدت هذه الأعمال إلى تدمير خطوط مياه رئيسية وقطع الإمدادات عن نحو 30 ألف دونم من سهل البقيعة، أي ما يعادل ثلث مساحته البالغة 96 ألف دونم؛ الأمر الذي يهدد بتقويض الطابع الزراعي للمنطقة التي تعد سلة غذاء فلسطين.

من جانبه، يؤكد مدير دائرة زراعة الأغوار الشمالية، عمر صوافطة، أن الاستيلاء على المياه أخرج مساحات واسعة من الإنتاج الزراعي، مشيرًا إلى أن سهل "قاعون" في بردلة، البالغة مساحته أكثر من ألفي دونم، لم يُزرع منذ عامين؛ بعد إقامة بؤرة استعمارية في محيطه وقطع خطوط المياه المغذية.

ستة عقود من الحصار المائي الممنهج

يكشف تتبع هذه الوقائع عن سياق أوسع يعود إلى عام 1967، حين أحكمت سلطات الاحتلال سيطرتها على المياه السطحية والجوفية في الأغوار، التي تقع فوق الحوض الشرقي، ثاني أكبر الأحواض المائية في الضفة الغربية.

ويوضح الباحث المختص بشؤون المياه والاستيطان وليد أبو محسن، أن سكان الأغوار كانوا يعتمدون على مياه نهر الأردن والآبار الارتوازية والينابيع، قبل أن يُحرموا من النهر بالكامل، فيما أُغلقت معظم الآبار الفلسطينية وأُجبر أصحابها على التعامل مع شركة "ميكروت" الإسرائيلية، التي أدى حفرها لآبار عميقة إلى تجفيف آبار وينابيع فلسطينية أو خفض منسوب المياه فيها.

ومع إحكام السيطرة على مصادر المياه، فُرضت قيود على حفر الآبار الجديدة وتعميق القائمة وتطوير البنية التحتية، كما تحكم الاحتلال في كميات المياه الواصلة إلى التجمعات الفلسطينية وفرض فواتير مرتفعة، مع اللجوء إلى قطع المياه في بعض الحالات بحجة تراكم المستحقات.

ووفقا لأبو محسن، فقد خصصت اتفاقية أوسلو عام 1993 للفلسطينيين 118 مليون متر مكعب من المياه الجوفية، مع إمكانية تطوير آبار توفر 80 مليون متر مكعب إضافية من الأحواض المائية في الضفة، إلا أن الجانب الفلسطيني لم يتمكن فعليا من إضافة سوى نحو 30 مليون متر مكعب.

وتؤكد معطيات وزارة الخارجية الفلسطينية أن إسرائيل تسيطر على نحو 90% من مصادر المياه المشتركة، وتُعطّل مشاريع المياه الفلسطينية، وتفرض قيودًا على تطويرها وتهدم منشآت مائية في منطقتي (ب) و(ج).

خريطة توضح مصادر المياه في الضفة في ظل الاحتلال (سلطة المياه)

وفي المقابل، أشار مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان (بتسيلم)، في تقرير له، إلى أن معظم مصادر المياه في غور الأردن تُخصص للمستعمرات، وأن هذه السياسة أدت إلى جفاف آبار فلسطينية وتراجع كميات المياه المتاحة للسكان.

ووفقا للتقرير، فقد استخرجت إسرائيل نحو 32 مليون متر مكعب سنويًا للمستعمرات، فيما حصل نحو 9,400 مستعمر على قرابة 45 مليون متر مكعب سنويًا لأغراض زراعية موجهة إلى التصدير.

وأظهرت بيانات الجهاز المركزي للإحصاء وسلطة المياه الفلسطينية لعام 2022 تفاوتا كبيرا في استهلاك المياه؛ إذ بلغ متوسط استهلاك الفرد الفلسطيني في الضفة 85.7 لتر يوميًا، مقابل نحو 300 لتر للفرد الإسرائيلي، فيما ينخفض نصيب الفرد في غزة إلى 20.5 لتر من المياه الصالحة للاستخدام.

وتشير دراسة للباحث تيسير جبارة، إلى أن نحو 90% من ينابيع الضفة الغربية خضعت لسيطرة الاحتلال، الذي منع حفر آبار جديدة أو تعميق القائمة، وقيّد كميات الضخ وتطوير مصادر المياه الفلسطينية، مقابل السماح للمستعمرين باستغلال المخزون الجوفي.

المياه والتهجير.. حلقة واحدة

أدى هذا التفاوت والقيود على الوصول إلى المياه إلى تراجع قدرة الفلسطينيين على ممارسة الزراعة وتربية المواشي؛ ما دفع بعضهم إلى تقليص المساحات المزروعة أو التحول إلى محاصيل أقل ربحًا، فيما لجأت تجمعات تفتقر إلى مصادر المياه الكافية إلى شراء المياه عبر الصهاريج بأسعار مرتفعة.

ويرى مركز "بتسيلم" أن القيود المفروضة على تطوير البنية التحتية، إلى جانب الاستيلاء على مصادر المياه الطبيعية وهدم الآبار والبرك والينابيع وإعاقة الوصول إليها، أسهمت في دفع تجمعات فلسطينية إلى مغادرة أراضيها.

وفي هذا السياق، لم تعد حالات مثل رأس عين العوجا وخلة خضر والميتة والبرج وغيرها حالات منفصلة، بل تأتي ضمن واقع تواجه فيه تجمعات أخرى في الأغوار ظروفًا متشابهة، مع إقامة بؤر استعمارية رعوية قرب مصادر المياه، وإغلاق ينابيع أو تسييجها، والاستيلاء على المراعي.

وبالتوازي مع ذلك، شهدت السنوات الثلاث الأخيرة انتقال المستعمرين إلى الاستيلاء المباشر على الينابيع، فيما تواصلت أعمال حفر الآبار العميقة في المنطقة لصالح شركة "ميكروت" الإسرائيلية، في وقت تشير المعطيات الواردة في التقرير إلى تراجع منسوب بعض مصادر المياه الفلسطينية ووصول بعضها إلى الجفاف.

وبينما تتواصل السيطرة الاستعمارية على الينابيع والموارد المائية في الأغوار وتتصاعد عمليات التهجير القسري، يظل مستقبل التجمعات الفلسطينية في المنطقة مرتبطًا بقدرتها على الوصول إلى المياه والأراضي الرعوية، وهي مقومات أساسية للحياة والزراعة والرعي والاستقرار.

ـــ

إ.غ/ م.ج

 

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا