أهم الاخبار
الرئيسية تقارير وتحقيقات
تاريخ النشر: 18/05/2026 12:24 م

الاستعمار يزحف نحو جنين ويُعيد رسم الجغرافيا بالقوة

 قوات الاحتلال تجرف أراضي في خربة سروج غرب اليامون غرب جنين. (تصوير: محمد منصور "وفا")
قوات الاحتلال تجرف أراضي في خربة سروج غرب اليامون غرب جنين. (تصوير: محمد منصور "وفا")

 

جنين 18-5-2026 وفا- زهران معالي

لم يعد ما يجري في محافظة جنين مجرد اقتحامات عسكرية عابرة أو إجراءات مؤقتة، بل تحوّل خلال الأشهر الأخيرة إلى واقع جديد تتداخل فيه الثكنة العسكرية مع البؤرة الاستعمارية، وتصبح فيه الأرض والبيت وحتى تفاصيل الحياة اليومية جزءًا من معركة مفتوحة، يخشى الفلسطينيون أن تنتهي بتهجير صامت وإعادة رسم الجغرافيا بالقوة.

في بلدة عرابة جنوب جنين، لا تزال عائلة المواطن فادي لحلوح تعيش منذ الخميس الماضي تحت وقع اقتحام منزلها وتحويله إلى نقطة عسكرية إسرائيلية.

الطابقان العلويان من البيت المكون من ثلاثة طوابق تحوّلا إلى ثكنة عسكرية، فيما بقيت العائلة محصورة في الطابق الأرضي تحت رقابة الجنود والكاميرات وأكياس الرمل المنتشرة حول المنزل.

يقول لحلوح لمراسل "وفا": "إن قوات الاحتلال اقتحمت المنزل صباح الخميس الماضي وأبلغت العائلة بضرورة إخلائه خلال نصف ساعة فقط، أو البقاء جميعًا داخل غرفة واحدة".

ويضيف: "نحن نحو عشرة أفراد بينهم أطفال ونجله وزوجته، رفضنا أن نعيش داخل غرفة واحدة، وبعد نقاش سمحوا لنا بالبقاء في الطابق الأرضي فقط، بينما سيطر الجنود على باقي المنزل بالكامل".

المنزل الذي بناه الرجل عام 2019 بعد سنوات من العمل، تحوّل فجأة إلى مساحة عسكرية مغلقة.

ومنذ ذلك الوقت، تغيّرت حياة العائلة بالكامل، فحتى الخروج للصلاة أو استقبال الأقارب أصبح مرتبطًا بحركة الجنود، حياتنا تعطلت بالكامل، يقول لحلوح.

لكن ما يثير قلق العائلة وسكان المنطقة أكثر من وجود الجنود داخل المنزل، هو ما يجري في محيط معسكر عرابة المخلى منذ عام 2005.

فمنذ عودة قوات الاحتلال إلى المعسكر في شباط/ فبراير الماضي، يشاهد الأهالي أعمال تجريف وتمهيد طرق وإنشاء بنى تحتية بشكل متواصل، دون أي توضيحات حول طبيعة المشروع الذي يجري تنفيذه هناك.

ويقول لحلوح: "لا أحد يعرف ماذا يخطط الاحتلال في المنطقة، لكننا نخشى أن يكون الهدف تفريغها من السكان وإجبار الناس على الرحيل، نحن 13 منزلا نعيش في محيط المعسكر".

هذا الخوف لا يبدو منفصلًا عما تشهده محافظة جنين عمومًا، في ظل تصاعد غير مسبوق في المشاريع الاستعمارية والعسكرية التي تستهدف شمال الضفة الغربية.

في خطوة وُصفت بأنها الأخطر منذ نحو عقدين، صادقت سلطات الاحتلال مؤخرًا على مخطط لبناء 126 وحدة استعمارية دائمة على مساحة تُقدّر بنحو 58 دونمًا داخل مستعمرة "صانور" جنوب جنين، في أول مشروع استعماري دائم يُقام داخل واحدة من المستعمرات التي أُخليت ضمن خطة "فك الارتباط" عام 2005.

ولا يقتصر المشروع على إعادة وجود استعماري رمزي، بل يشمل بنية عمرانية متكاملة تضم منازل وطرقًا وبنى تحتية ومرافق عامة، ما يعكس وفق مختصين توجهًا لتثبيت وجود استعماري دائم قابل للتوسع مستقبلًا.

وتزامنت المصادقة مع افتتاح رسمي للمستعمرة شارك فيه وزراء من حكومة الاحتلال، بينهم وزيرا المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش والحرب يسرائيل كاتس، وسط حماية عسكرية مشددة ومنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم المحيطة بالمستعمرة.

وخلال الفعالية، وصف سموتريتش إعادة الاستعمار في "صانور" بأنها "لحظة تاريخية" و"تصحيح لتداعيات فك الارتباط"، داعيًا علنًا إلى إنهاء فكرة الدولة الفلسطينية.

ويرى مختصون أن ما يجري في "صانور" و"حومش" و"جانيم" لا يتعلق بإعادة بؤر استعمارية فقط، بل بمشروع أوسع لإعادة رسم الخارطة الجغرافية لشمال الضفة الغربية، عبر إنشاء حزام استعماري يمتد من الخط الأخضر نحو الأغوار، بما يؤدي إلى عزل جنين عن امتدادها الفلسطيني.

وفي موازاة ذلك، أصدرت سلطات الاحتلال مطلع الأسبوع الجاري قرارًا عسكريًا بالاستيلاء على سبعة دونمات من أراضي المواطنين في منطقة الجابريات المطلة على مخيم جنين، بذريعة استخدامها في "أغراض عسكرية".

وتقع الأراضي المستولى عليها ضمن مناطق مصنفة "أ" وفق اتفاقية أوسلو، وهي مناطق يفترض أنها خاضعة للسيطرة الفلسطينية الكاملة، ما اعتبرته هيئة مقاومة الجدار والاستيطان مؤشرًا على تجاوز الاحتلال لكل التصنيفات السياسية والأمنية المفروضة في الضفة الغربية.

مدير دائرة النشر والتوثيق في الهيئة، أمير داود، يقول في تصريحات صحفية: "إن الاحتلال يعمل خلال العامين الأخيرين على إنشاء بنية عسكرية وأمنية جديدة في شمال الضفة، تمهيدًا لإعادة التمدد الاستعماري في المنطقة".

وأوضح أن الحكومة الإسرائيلية لم تكتفِ بإعادة الاستعمار إلى أربع مستعمرات أُخليت عام 2005، بل أقرت كذلك إقامة 11 موقعًا استعماريًا جديدًا في شمال الضفة، خاصة في محيط مدينة جنين.

وأضاف أن "هذا التوسع يحتاج –وفق الرؤية الإسرائيلية– إلى "نقاط عسكرية وشوارع وبنية أمنية لحماية المستعمرين وتأمين حركة الاستعمار".

وأكد داود أن استهداف مناطق مصنفة "أ" يعكس تعامل إسرائيل مع الضفة الغربية باعتبارها "ساحة مفتوحة للمشروع الاستعماري"، بغض النظر عن أي اتفاقيات أو تقسيمات سياسية.

وفي بلدة يعبد جنوب غرب جنين، يبدو هذا التحول أكثر وضوحًا على حياة السكان اليومية.

فالبلدة الزراعية التي يعتمد أغلبية سكانها على الزيتون والتبغ والمحاصيل الموسمية، أصبحت وفق مدير بلديتها محمد عبادي محاصرة بالمستعمرات والبؤر الاستعمارية والحواجز العسكرية من مختلف الجهات.

ويقول عبادي لمراسل "وفا"، إن يعبد تعيش "واقعًا مريرًا وخطيرًا" نتيجة التوسع الاستعماري المتسارع الذي حوّل آلاف الدونمات الزراعية إلى مناطق مغلقة ومهددة بالاستيلاء.

ويضيف: "أكثر من 20 ألف دونم أصبحت شبه مغلقة بالكامل أمام الأهالي، رغم أنها تضم أخصب الأراضي الزراعية المزروعة بالزيتون والتبغ والمحاصيل الموسمية".

ويؤكد أن نحو 70% من سكان البلدة يعتمدون على الزراعة كمصدر دخل أساسي، لكن التضييق الإسرائيلي ومنع الوصول إلى الأراضي الزراعية حوّلا كثيرًا من العائلات إلى أسر بلا مصدر رزق.

ويشير إلى أن الناس اليوم بلا عمل ولا دخل، حتى العمالة داخل أراضي الـ48 أصبحت شبه معدومة، والمواطن بات محاصرًا اقتصاديًا.

وخلال العامين الماضيين، توسعت البؤر الاستعمارية الرعوية على أراضي المواطنين الزراعية، وبات المستعمرون وفق عبادي يستخدمون الأراضي ويزرعونها لأنفسهم، فيما يُمنع أصحابها الفلسطينيون من الوصول إليها.

ويضيف: "أي مواطن يحاول الوصول إلى أرضه يتعرض للاعتداء والاحتجاز والإهانة، المسعمرون يتعاملون مع الأرض وكأنها ملك لهم".

ويرى عبادي أن ما يجري لم يعد مجرد تضييق أمني، بل سياسة تدفع الفلسطينيين نحو الهجرة القسرية الصامتة، متابعا: "الاحتلال لا يطرد الناس بالقوة فقط، بل يخنق حياتهم اليومية حتى يشعر المواطن أنه لم يعد قادرًا على البقاء".

وفي ظل هذا التصاعد، يستعيد سكان المنطقة حادثة قرية العصاعصة جنوب جنين، التي وقعت في الثامن من أيار/ مايو الماضي، حين أُجبرت عائلة فلسطينية على إخراج جثمان فقيدها من قبره بعد ساعات فقط من دفنه، تحت تهديد المستعمرين وحماية جيش الاحتلال، في حادثة ارتبطت بتصاعد اعتداءات المستعمرين بعد إعادة الاستعمار في مستعمرة "ترسلة" القريبة.

وينظر الأهالي في المنطقة القريبة من المستعمرة إلى حادثة نبش القبر بأنها واحدة من أكثر الوقائع التي عبّرت عن حجم التحول الذي تعيشه المنطقة، والخوف المتزايد من تمدد الاستعمار نحو القرى المحيطة بجنين.

في شمال الضفة اليوم وتحديدا في محافظة جنين، لم تعد المعركة تدور فقط حول السيطرة على الأرض، بل حول اقتلاع الفلسطيني تدريجيًا من تفاصيل حياته اليومية؛ من بيته، وحقله، وطريقه، وحتى من شعوره بالأمان والاستقرار.

مشاهد غابت عن قرى جنوب جنين وبلداتها لأكثر من عشرين عامًا، عادت اليوم لتفرض نفسها بوقع ثقيل على السكان؛ حافلات تُقلّ عشرات المستعمرين إلى الجبال والمواقع الأثرية، أعلام إسرائيلية تُرفع فوق التلال وعلى جوانب الطرق، ودوريات ومركبات شرطة إسرائيلية تجوب الشوارع تحت حماية عسكرية مشددة.

وأما بالنسبة إلى الأهالي، فلا تبدو هذه المشاهد عابرة أو اعتيادية، بل تحمل شعورًا قاسيًا بعودة زمن اعتقد كثيرون أنه انتهى قبل سنوات طويلة.

ففي القرى التي عاشت لأكثر من عقدين دون حضور استعماري مباشر، بات السكان اليوم يستيقظون على مشهد المستعمرين وهم يتجولون قرب منازلهم وأراضيهم، فيما ترفرف الأعلام الإسرائيلية في مناطق كانت حتى وقت قريب جزءًا من الحياة الفلسطينية اليومية.

ويقول مواطنون: إن رؤية مركبات الشرطة الإسرائيلية تعود إلى الطرقات التي غابت عنها منذ "فك الارتباط" عام 2005، يثير خوفًا عميقًا من أن ما يجري ليس انتشارًا مؤقتًا، بل بداية لواقع جديد يُفرض تدريجيًا على المنطقة، ويعيد إلى الأذهان سنوات الحصار العسكري والاستعماري التي عاشتها جنين وقراها في السابق.

ــــ

ز.ع/ م.ل

 

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا