أهم الاخبار
الرئيسية تقارير وتحقيقات
تاريخ النشر: 18/03/2026 12:55 م

إسرائيل تدق المسمار الأخير في نعش الوجود الفلسطيني في الأغوار الشمالية

 

طوباس 18-3-2026 وفا- الحارث الحصني

لمعرفة هل دقت إسرائيل فعليا المسمار الأخير في نعش الوجود الفلسطيني في الأغوار الشمالية، يحتاج ذلك إلى قراءة الأرقام الرسمية أولا، ومن ثم الاستماع إلى شهادات حية من أفواه المواطنين الذين عاشوا في تلك المناطق ومقارنتها.

وعلى أرض الواقع، سُجلت في العامين الماضيين موجات نزوح جماعية للعائلات الفلسطينية من التجمعات المترامية عند سفوح الجبال المنتشرة في الأغوار الشمالية، إلى مناطق خارج حدودها، بفعل إرهاب المستعمرين.

يقول الناشط الحقوقي عارف دراغمة: إن حوالي 580 عائلة فلسطينية كانت تسكن التجمعات الفلسطينية في الأغوار الشمالية (لا يشمل قرى بردلة وكردلة وعين البيضاء)، بدأت بالرحيل عن المنطقة منذ عشر سنوات.

أدت  موجات النزوح هذه التي كانت بارزة في الشهرين الماضيين إلى إفراغ عدد من التجمعات الفلسطينية بشكل كامل، فضلا عن تآكل الوجود الفلسطيني في تجمعات أخرى.

تعطي هذه المفارقة إجابة واضحة لا شك فيها أن الاحتلال من خلال أذرعه الفاعلة كافة، دق المسمار الأخير في نعش الوجود الفلسطيني في منطقة ظلت، على مدار عقود، واحدة من المناطق الزاخرة بالوجود الفلسطيني.

يقول رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان مؤيد شعبان: إن طبيعة الهجمة الاستعمارية، وإرهاب المستعمرين تؤكد أن إسرائيل ترمي إلى إفراغ الأغوار الشمالية من الوجود الفلسطيني.

وما يؤكد ذلك الأرقام الصادرة عن مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة "بتسيلم" التي تقول: إنه منذ بداية الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر عام 2023، أدت الهجمات العسكرية وعنف المستعمرين في الضفة الغربية إلى تهجير سكان على نطاق لم يسبق له مثيل منذ احتلال الضفة في عام 1967.

وحتى العاشر من آذار/مارس 2026، هجّرت إسرائيل 57 تجمّعًا فلسطينيًا يبلغ عدد سكانها أكثر من 3,921 شخصاً من مواقع إقامتها في مناطق مُصنَّفة حسب اتفاق أوسلو على أنها (ب) و(ج)، وتمّ تهجير 532 شخصًا آخر من منازلهم في 17 تجمّعًا تعرضت للتهجير بشكل جزئي.

وحتى قبل حرب الإبادة على قطاع غزة، أجبرت اعتداءات المستعمرين وجيش الاحتلال تسعة تجمعات أخرى على الأقل على الرحيل.

تعطي الأرقام الصادرة عن المؤسسة الحقوقية انطباعاً مأساوياً عن حجم التآكل في الوجود الفلسطيني في الأغوار الشمالية.

ففي الشريط الشرقي لمحافظة طوباس، أدت انتهاكات المستعمرين منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وهو اليوم الذي شنت فيه إسرائيل حرب الإبادة على غزة، إلى تهجير 8 تجمعات من العائلات الفلسطينية بشكل كامل.

وهذه التجمعات هي: "أم الجمال، وخلة خضر، ووادي الفاو، وخربة ابزيق، والميتة، والبرج، وشرق العقبة، وخربة يرزا".

بلغ عدد العائلات التي أُجبرت على الرحيل عن هذه التجمعات الثمانية 88 عائلة فلسطينية، تضم 502 فرد.

كان فوزي عنبوسي آخر الذين أجبرتهم انتهاكات المستعمرين على الرحيل عن خربة يرزا رفقة ابنيه.

يقول: "كان في  الخربة خلال سبعينيات القرن الماضي حوالي خمسين عائلة فلسطينية تعيش في نظام متشابه، ومع تقدم السنين بدأت بعض العائلات بالرحيل والبحث عن نظم حياة مختلفة". لكن بشكل وصفه بلمح البصر، أُفرغ التجمع بشكل كامل.

بموازاة ذلك شهدت باقي التجمعات الفلسطينية (الحمة، وسمرة، والفارسية، والمالح، والحديدية، وحمصة) تناقصا في عدد العائلات.

ورغم عدم إفراغ هذه التجمعات بشكل كامل فإن 33 عائلة تضم 196 فردا أُجبرت على الرحيل بسبب انتهاكات المستعمرين.

رافق حرب الإبادة على غزة توسع ملحوظ في هجمات المستعمرين بحق المواطنين العزّل في التجمعات البدوية في مناطق الضفة الغربية.

وقبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، أُفرغ تجمعان في المنطقة الشرقية لمحافظة طوباس بشكل كامل، وهما عين كرزلية عام 2018 فيها 3 عائلات تضم 30 فردا، بالإضافة إلى حمصة الفوقا عام 2021 فيها 9 عائلات وتضم 61 فردا.

هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، قالت في تقرير لها عن انتهاكات الاحتلال عام 2025: إن هذا العام (2025) شكّل واحداً من أكثر الأعوام كثافة في حجم الانتهاكات الإسرائيلية واتساعها ونوعيتها منذ بدء توثيقها بشكل منهجي، ليس فقط من حيث عدد الاعتداءات المسجّلة، بل من حيث طبيعتها المركّبة ودلالاتها السياسية العميقة.

ووثّقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان خلال العام الماضي 23827 اعتداءً نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي والمستعمرون بحق المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم في مختلف المحافظات، في رقم قياسي يعكس انتقال سياسات الاحتلال من إدارة السيطرة إلى فرضها كمنظومة حكم قسرية مكتملة الأركان.

وتُظهر المعطيات أن المستعمرين نفذوا 4723 اعتداءً، إلى جانب 720 اعتداءً نُفذت بشراكة مباشرة بين الطرفين، الأمر الذي يؤكد أن إرهاب المستعمرين لم يعد فعلاً هامشياً أو خارجاً على سيطرة الدولة، بل جزءاً عضوياً من سياسة رسمية توفّر له الغطاء والحماية، وتوظفه كأداة ميدانية لتوسيع السيطرة على الأرض وفرض وقائع لا رجعة عنها.

قال شعبان: إن هناك تكاملا واضحا بين أذرع الاحتلال لإجبار المواطن الفلسطيني على الرحيل "مكرها" عن أرضه.

ففي أواخر شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2025، أعلنت سلطات الاحتلال مخططا استعماريا جديدا باسم "الخيط القرمزي"، ويشمل إقامة طريق عسكري وجدار فاصل بطول 22 كيلومترا على أراضي المواطنين في محافظة طوباس.

ووفقا للمخططات الأولية والإخطارات التي صدرت في حينها، سيلتهم المشروع 1042 دونما من أراضي المواطنين في محافظة طوباس، كما سيعزل خلفه أضعاف ذلك.

لاحقاً، أي في الثالث عشر من شهر آذار، أصدر الاحتلال قرارات عسكرية جديدة للاستيلاء على (268) دونما من أراضي المواطنين في سهل البقيعة.

ومنذ إعلان الاحتلال هذا المشروع، بدأ تغير جذري يحدث في المناطق المستهدفة، خاصة في سهل عاطوف.

فعلاوة على حجم الدمار الذي لحق بالجانب الاقتصادي في المنطقة، أدت انتهاكات المستعمرين إلى رحيل ثلاث عائلات فلسطينية عن شرق القرية الزراعية.

إن التناقص المستمر في عدد العائلات في المناطق الشرقية ذات الطابعين الزراعي والرعوي، يعني بلا شك تبخر الوجود الفلسطيني فيها.

يقول شعبان: تُلقي حكومة الاحتلال بكل ثقلها مستعينة بإرهاب المستعمرين، بهدف إجبار العائلات الفلسطينية على ترك مساكنها وأراضيها في الأغوار الشمالية والرحيل عنها.

قال عنبوسي الذي يحفظ في ذهنه ذاكرة أكثر من سبعين سنة: إنهم شهدوا في الفترة الأخيرة أصنافا من اعتداءات المستعمرين أجبرتهم مكرهين على الرحيل عن التجمع.

لكن شعبان يرى أن من تبقى يمكن حمايته على صعيدين: الداخلي من خلال دعم صمودهم بكل الإمكانيات، وتوفير الحماية الشعبية من خلال تفعيل لجان حماية لهم.

وعلى الصعيد الدولي من خلال المتابعة القانونية لانتهاكات المستعمرين، وإجبار العالم على الضغط على حكومة الاحتلال للجم إرهاب المستعمرين.

وقال عارف دراغمة: إنه في العامين الماضيين أُجبرت حوالي 120 عائلة فلسطينية على الرحيل عن التجمعات الفلسطينية في الأغوار الشمالية.

وأضاف دراغمة، أن ما يتبقى في المضارب البدوية لا يزيد على 50 عائلة فلسطينية.

وخلال يومين من إعداد هذه المادة، أجبرت اعتداءات المستعمرين عائلتين على الرحيل عن خربة سمرة، أحد أكثر التجمعات الفلسطينية عرضة لانتهاكات المستعمرين في الفترة الأخيرة. وبذلك، يصبح التجمع على بعد خطوة واحدة من الإفراغ بشكل كامل، بعد بقاء عائلتين فقط فيه.

ــــ

/ع.ف

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا