أهم الاخبار
الرئيسية تقارير وتحقيقات
تاريخ النشر: 02/02/2026 01:29 م

إرهاب المستعمرين يدفع المواطنين في خربة جلال الدين نحو الرحيل

 

سلفيت 2-2-2026 وفا– عُلا موقدي

من على القمم الجبلية المحيطة ببلدة بروقين غرب سلفيت، تحوّلت منطقة خربة جلال الدين إلى مساحة مفتوحة لهجمات المستعمرين بشكل يومي.

تقع الخربة على أطراف البلدة من جهة الشرق، وهي تجمع سكاني صغير يضم سبعة منازل تعود لعائلة بركات، يعتمد سكانها على الزراعة ورعي الأغنام، وتُعتبر المنطقة ذات قيمة أثرية وتاريخية وبيئية. ورغم طابعها الزراعي الهادئ، تتعرض الخربة في الآونة الأخيرة لسلسلة اعتداءات متكررة من المستعمرين، في محاولة لفرض واقع جديد يهدد وجود السكان ويدفعهم نحو التهجير القسري.

في هذه المنطقة، لم يعد الخوف حالة عابرة أو مرتبطا بوقت أو مكان محدد، بل تحوّل إلى كابوس يومي يلاحق السكان، ولا سيما الأطفال. فقد فرضت اعتداءات المستعمرين المتصاعدة مشاهد جديدة على حياتهم، فباتت طرق المدرسة وساحات المنازل والأراضي المحيطة بالخربة مساحات مفتوحة للترهيب والملاحقة. ولم تعد مشاهد إطلاق النار واقتحامات المستعمرين وتدخل قوات الاحتلال أحداثا استثنائية، بل جزءا من ذاكرة الأطفال، وتشكيلا لوعيهم القائم على الخوف وانعدام الأمان.

كما لم يقتصر هذا الواقع على الأذى النفسي، بل امتد ليخلّف إصابات جسدية خطيرة، كان أبرزها إصابة أحد الأطفال بنزيف في الدماغ إثر اعتداء مباشر قبل عدة أسابيع، ما استدعى مكوثه أياما في المستشفى تحت المراقبة.

يقول المواطن فاروق بركات، أحد سكان خربة جلال الدين غرب سلفيت: إن اعتداءات المستعمرين لم تعد حوادث فردية عابرة، بل باتت تتكرر بشكل يومي، لا سيما أيام السبت وخلال ساعات ما بعد الظهر. ويوضح أن المستعمرين يقتحمون المنطقة من أعلى الجبال المحيطة، وينتشرون بين قطعان الأغنام، وأغلب الأحيان يقتحمون ساحات المنازل نفسها.

ويشير إلى أن هذه الاعتداءات تجري تحت حماية قوات الاحتلال الإسرائيلي، وتشمل سرقة المواشي وتسميمها، ومحاولة الاعتداء على الأطفال، إضافة إلى التلصص على المنازل وبثّ الرعب بين سكان المنطقة.

ويضيف بركات أن عدد المستعمرين الموجودين قرب المنازل على مدار اليوم غالبا ما يتراوح بين ثلاثة وأربعة، إلا أنهم قد يتجمعون في أوقات معينة ليصل عددهم أحيانا إلى مجموعات كبيرة تتنقل على متن ستة جرارات زراعية أو سبع، ويتمركزون في المناطق المرتفعة المشرفة على الخربة. ويؤكد بركات أن المستعمرين باتوا يراقبون الحظائر يوميا، ويقضون ساعات طويلة قرب "البركسات" بهدف سرقة المواشي أو تسميمها.

ويتابع: أن المستعمرين حاولوا في مرات سابقة الاعتداء على الحظائر، وسمّموا أكثر من 50 رأسا من الأغنام، ما تسبب في خسائر متكررة في ظل انعدام أي شكل من أشكال الحماية وعدم وجود أسلاك أو جدران أو أية وسيلة حماية.

من جانبه، أوضح الباحث في مجال البيئة والاستيطان رائد موقدي، أن المنطقة تتميز بتنوع بيئي فريد، وتشكل جزءا من مشهد طبيعي وزراعي متكامل، إلا أن هذا التنوع بات مهددا بفعل الاعتداءات والاستعمار الزاحف، الذي لا يستهدف الإنسان والأرض والبيئة والموارد الطبيعية.

وقال: إن المنطقة تضم مقاما تاريخيا أثريا يعكس رمزية المكان وأهميته التاريخية، ويجسد الأصالة العربية والطابع الفلسطيني الأصيل، مشيرا إلى أن هذه الأراضي لم تكن يوما خالية، بل مأهولة بالمزارعين منذ عشرات السنين، وتتميز بطابعها الزراعي الحيوي.

وأشار موقدي إلى أن ما جرى مؤخرا من انتهاك للمستعمرين تمثل في تسييج أكثر من 400 دونم من الأراضي، تمتد من خربة قرقش مرورا بمنطقة جلال الدين ووادي المطوي وصولا إلى منطقة الرأس، مؤكدا أن هذه الأراضي مملوكة لمزارعين من المنطقة.

وحذر من أن هذه الخطوة تشكل إجراءً استباقيا للسيطرة الرسمية على المنطقة، تمهيدا لإقامة بئر مياه جديدة وتوسيع النشاط الاستعماري، بما يعكس نية واضحة لتهويد المنطقة بالكامل.

ورغم كل ذلك، يشدد سكان خربة جلال الدين على تمسكهم بأرضهم، مؤكدين أنهم صامدون ولن يغادروها، حتى لو اضطروا إلى العيش في خيام، في مواجهة محاولات متواصلة لفرض واقع جديد بالقوة.

بدوره، يوضح الباحث في التراث الأثري والثقافي بمحافظة سلفيت، المهندس عمر السلخي، أن خربة جلال الدين تعد واحدة من أربع خرب أخرى تقع في أراضي بلدة بروقين، إلى جانب قرقش (مدينة الشمس والقمر)، وخربة الفخاخير (دار حمد)، والشقفان (دار عبد الله)، وخربة الرأس.

وتقع الخربة التي تعود إلى الفترة العثمانية المبكرة على بعد نحو كيلومترين شرق البلدة، على قمة جبل يرتفع عن سطح البحر حوالي 455 مترا، وتبلغ مساحتها نحو 3 دونمات.

ويشير إلى أن الخربة تعرف بأسماء أخرى بين أهالي البلدة، من بينها خربة المطوي وخربة دار أبو سلمى، موضحا أن الاسم الأول يعود إلى نبع المطوي الواقع على بعد نحو كيلومتر شرق الخربة، فيما يرتبط الاسم الثاني بفرع من عائلة بركات كان يقيم في الموقع. أما اسم "خربة جلال الدين" فيرتبط بمقام ولي من أولياء الله يدعى جلال الدين، ويقع على بعد عشرات الأمتار شرق الخربة.

ويضيف أن الموقع محاط بسور مبني من حجارة كبيرة ومتوسطة الحجم، شُيّد بمداميك أفقية شبه منتظمة، ويتراوح عرضه بين 80 و90 سانتيمترا، فيما يصل ارتفاع بقايا جدرانه في الجهة الجنوبية الشرقية إلى نحو مترين. ويضم الموقع مدخلين: أحدهما في الجهة الغربية بعرض يقارب 1.5 متر، والآخر في الجهة الشرقية بالعرض نفسه تقريبا، إضافة إلى برج في الزاوية الشمالية يبلغ ارتفاع بقاياه نحو 4 أمتار.

ويبيّن أن الجزء الأوسط من الخربة يحتوي على بناء مستطيل الشكل مبني من الحجارة الكبيرة والمتوسطة، وعرض جدرانه نحو 50 سانتيمترا، ويبدو أنه كان مسجدا، إذ تحتوي واجهته الشرقية على رواق قائم على قوس نصف دائري، فيما يوجد في واجهته الجنوبية تجويف على شكل محراب، إلى جانب مداخل شمالية وشرقية بأقواس ومستطيلات مختلفة القياسات.

كما يلفت الدكتور السلخي إلى أن الجزء الغربي من الخربة يضم بيوتا موزعة بانتظام، تفصل بينها أزقة ضيقة، وقد شُيدت بحجارة متوسطة الحجم، وتشير بقايا الجدران التي يبلغ عرضها نحو 50 سانتيمترا، إلى أن هذه البيوت كانت مكسوة من الداخل بطبقة من الشيد، إضافة إلى وجود كسر فخار. أما الجزء الشرقي، فيحتوي على بناء مستطيل، وارتفاع بقايا جدرانه نحو مترين، وعلى بعد خمسة أمتار منه مبنى آخر ترتفع بقاياه إلى 2.5 متر، ملاصقة له بئر ماء صخرية طمرتها الأتربة بمرور الزمن.

في خربة جلال الدين، لا تقتصر المعركة على الأرض وحدها، بل تمتد إلى الذاكرة والتاريخ والطفولة والأمان اليومي. سبع عائلات تصرّ على البقاء، في مواجهة اعتداءات ممنهجة واستعمار متسارع، وسط صمت دولي وغياب للحماية.

ـــــــ

/ م.ل

 

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا