- فلسطين تقود حوارا دوليا حول بناء قدرات الدولة وصناعة قيادات المستقبل
أثينا 13-10-2026 وفا- دعا رئيس ديوان الموظفين العام، رئيس مجلس إدارة المدرسة الوطنية الفلسطينية للإدارة، رئيس شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لبحوث الإدارة العامة «مينابار»، موسى أبو زيد، إلى جعل صناعة قيادات المستقبل أولوية في بناء قدرات الدولة، من خلال عمل مؤسسي يبدأ باكتشاف الطاقات البشرية وتطويرها، وصولا إلى إعداد قادة قادرين على استشراف التحولات وإدارة المؤسسات في الظروف الاستثنائية.
وأكد أبو زيد، خلال المؤتمر السنوي للرابطة الدولية لمدارس ومعاهد الإدارة «IASIA 2026»، المنعقد في العاصمة اليونانية أثينا، أن التجربة الفلسطينية تقدم خبرة عملية في القيادة تحت الضغط وإدارة الأزمات، وتحويل الاستثمار في الإنسان إلى إنجاز مؤسسي وإسهام دولي، رغم صعوبة الظروف السياسية والاقتصادية والمعيشية.
وجاء ذلك خلال الجلسة الحوارية الأولى بين شبكة «مينابار» والرابطة الدولية لمدارس ومعاهد الإدارة، بالشراكة مع لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا «الإسكوا»، تحت عنوان «إعادة التفكير في الحوكمة في ظل عالم متغيّر: بناء قدرات الدولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعصر جديد»، والتي استضافها المركز الوطني للإدارة العامة والحكم المحلي في اليونان «EKDDA».
وأشاد أبو زيد بصمود الشعب الفلسطيني، ولا سيما في قطاع غزة، وتمسكه بأرضه وحقوقه وإرادته في الحياة رغم ما يتعرض له من إبادة وحصار، مؤكدا أن محاولات اقتلاعه أو تهجيره لن تنجح، وأن إرادته ستنتصر بإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
وقال إن فلسطين ليست مجرد رقم في الأمم المتحدة، بل دولة تقدم للعالم المعرفة والخبرة والكفاءات، وتسهم في بناء القدرات وتطوير الإدارة العامة، وتحمل تجربة إنسانية ومؤسسية تؤكد قدرتها على البناء والعطاء رغم الظروف الصعبة.
وأضاف أن هذا الصمود يضاعف مسؤولية المؤسسات الفلسطينية في الوقوف إلى جانب المواطنين، والاستجابة لاحتياجاتهم وصون كرامتهم، مشددا على أن مواصلة بناء الإنسان وتعزيز قدرة المؤسسات على أداء مسؤولياتها تشكلان ركيزة لدعم صمود الشعب الفلسطيني وتجسيد إرادته في بناء دولته.
وفي استعراضه للتجربة الفلسطينية في القيادة وإدارة المؤسسات، أوضح أبو زيد أن القيادات الفلسطينية تعمل في واقع تتداخل فيه الأزمات السياسية والاقتصادية مع صعوبة الظروف المعيشية والخناق المالي، ما يفرض مسؤوليات مضاعفة للحفاظ على قدرة المؤسسات على العمل، ودعم الموظفين، والاستجابة لاحتياجات المواطنين.
وأشار إلى أن هذا الواقع يختبر قدرة القائد على ترتيب الأولويات، وحسن استخدام الموارد المتاحة، والحفاظ على ثقة العاملين وقدرتهم على العطاء، مع مواصلة التطوير والاستعداد للمستقبل.
وأكد أن فلسطين راكمت، رغم هذه الظروف، إنجازات نوعية في بناء القدرات وتطوير الكفاءات ونقل الخبرات، ونجحت في ترسيخ حضورها في مجال الإدارة العامة دوليا، معتبرا أن أهمية هذه التجربة تكمن في قدرتها على إنتاج خبرة قابلة للمشاركة مع الآخرين، انطلاقا من ممارسة فعلية للقيادة والعمل المؤسسي في ظروف شديدة التعقيد.

وشدد على أن الإرادة المؤسسية والاستثمار المستمر في الإنسان يمكن أن يفتحا آفاقا للإنجاز حتى عندما تضيق الموارد وتتزايد التحديات.
وتوقف أبو زيد عند أهمية التوافق على مفاهيم القيادة ومجالاتها ومعاييرها والسمات المشتركة التي ينبغي أن تتوافر في القائد، بما يؤسس لفهم واضح تستند إليه المؤسسات في اختيار قياداتها وتطويرها.
وأوضح أن مفهوم القيادة يتطور باستمرار بفعل التحديات المتجددة وتجارب القادة وقدرتهم على إحداث الفرق، وأن لكل قائد، من خلال فكره وممارسته وأثره، بصمته الخاصة التي تثري فهم القيادة وتطبيقاتها.
وفي معرض تناوله للسؤال المتعلق بما إذا كانت القيادة تولد أم تُصنع، أكد أن بناء القيادات عملية إدارية مقصودة تقوم على رؤية واضحة وأهداف قابلة للقياس، وتستهدف تحديد الطاقات التي يمكن إعدادها لتولي المسؤوليات القيادية خلال السنوات المقبلة.
وبيّن أن اكتشاف هذه الطاقات يتطلب إشراك الموظفين ومتابعة أدائهم عن قرب، والتعرف إلى طريقة تفكيرهم وتعاملهم مع المسؤوليات والمشكلات، بحيث يستند اختيار القيادات المستقبلية إلى معرفة فعلية بقدراتها وإمكانات تطورها.
ولفت إلى أهمية تكليف الموظفين بمهام معقدة وإشراكهم في التعامل مع ظروف استثنائية تتيح لهم إظهار قدراتهم، وتساعد على تمييز الطاقات القيادية الواعدة وتحديد احتياجاتها من الدعم والتطوير.
وأكد أن المؤسسات تحتاج إلى قيادات تمتلك رؤية ثاقبة للمستقبل، وتستطيع الربط بين احتياجات الحاضر والتحولات المقبلة، وتعمل على تعزيز قدرة المؤسسة على التجدد والاستعداد للتغيرات، بما يضمن استمرارية الإنجاز وتراكم الخبرة عبر الأجيال القيادية.
وحذّر من اختزال الكفاءة القيادية في القدرة على الخطابة أو سرعة إصدار القرارات، مؤكدا أهمية التقدير المدروس وفهم النتائج والقدرة على دفع المؤسسة إلى الأمام. كما شدد على ضرورة الربط بين البعدين المحلي والدولي، ولا سيما في الحالة الفلسطينية، حيث يرتبط التخطيط المؤسسي بقراءة الواقع السياسي والاقتصادي والمتغيرات المحيطة وانعكاساتها على فرص العمل والإنجاز.
ووضع أبو زيد مفهوم «القائد الإنسان» في صلب رؤيته، مؤكدا أن القرب من الناس والوقوف إلى جانبهم والتواضع في التعامل معهم عناصر أساسية للقيادة الناجحة في ظل الظروف المتغيرة.
وشدد على أن دور القائد يتمثل في تحفيز الموظفين على الابتكار ودعم أفكارهم، بصرف النظر عن مستوياتهم الوظيفية، وإسناد الفضل في الإنجاز إلى أصحابه، ومنح أصحاب الجهد التقدير الذي يستحقونه.
وأكد أهمية إتاحة الحوار وتنوع وجهات النظر، وتوفير بيئة مؤسسية يستطيع فيها الموظف تقديم المقترحات والمشاركة وتحمل المسؤولية، بما يعزز الأداء ويمهد لظهور قيادات جديدة. واعتبر أن تمكين الآخرين وإبراز كفاءاتهم جزء أصيل من نجاح القائد.
وفي استعراضه للتجربة التطبيقية، أبرز أبو زيد دور المدرسة الوطنية الفلسطينية للإدارة في بناء القيادات الإدارية وتطوير كفايات موظفي الدولة، وربط التدريب بالاحتياجات الفعلية للمؤسسات.
وأشار إلى امتداد هذه التجربة إلى تدريب قيادات وكوادر من دول عربية وأفريقية ومن شرق ووسط أوروبا، وإعداد مدربين فلسطينيين تولوا نقل المعرفة والخبرة إلى مشاركين من هذه الدول في مجالات القيادة والتخطيط الاستراتيجي وإدارة الأزمات وفرق العمل.
وأكد أن هذه البرامج جسدت قدرة فلسطين على تقديم خبرة مهنية يستفيد منها الآخرون، وأظهرت قيمة الاستثمار طويل الأمد في الكفاءات الوطنية، مشيرا إلى أن نجاح التدريب يقاس بأثره في العمل، من خلال تطوير قدرات المشاركين على معالجة المشكلات وتحسين الأداء، وتوفير فرص لتطبيق المعارف والمهارات المكتسبة، بما يحول بناء قدرات الأفراد إلى تقدم في أداء المؤسسات.
واستحضر أبو زيد نجاح فلسطين في تنظيم المؤتمر المشترك للرابطة الدولية لمدارس ومعاهد الإدارة وشبكة «مينابار» عام 2017، والطاولة الوزارية المستديرة عام 2019 حول دور الإدارة العامة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
وأكد أن انعقاد هذين الحدثين الدوليين في فلسطين شكل إنجازا استثنائيا رغم الظروف الصعبة، وأظهر قدرتها على جمع قيادات ومؤسسات وخبرات دولية لمناقشة قضايا الإدارة العامة وبناء الدولة، وتعزيز التعاون وتبادل المعرفة بين الدول.
وأوضح أن الأثر العلمي والمهني لمؤتمر فلسطين عام 2017 لا يزال حاضرا في المؤتمرات السنوية للرابطة، من خلال استعادة تجربته وما أفرزته من نقاشات وإسهامات. كما امتد هذا الأثر إلى إنتاج المعرفة، إذ انطلقت من المؤتمر فكرة إعداد كتاب علمي متخصص حول الإدارة العامة في الدول المتأثرة بالصراعات، تناول تجارب دولية متعددة، من بينها التجربة الفلسطينية، وبحث قدرة المؤسسات العامة على أداء وظائفها وبناء قدرات الدولة في ظل الأزمات والصراعات.
واعتبر أن هذا الامتداد المعرفي يجسد قيمة ما حققته فلسطين وقدرتها على تحويل تجربتها وتحدياتها إلى إسهام علمي ومهني يثري النقاش الدولي، ويتيح للباحثين وصناع القرار الاستفادة من خبراتها في تطوير المؤسسات وإدارة الأزمات.
وفي ملف الشباب والمرأة، دعا أبو زيد إلى تحويل دعم مشاركتهما إلى عملية إعداد مؤسسي متواصل تبدأ منذ الصغر، من خلال بناء القيم والكفايات والثقة بالقدرة على التأثير، وتتدرج نحو اكتساب الخبرة وتحمل المسؤولية.
وأكد أن الوصول إلى مواقع صنع القرار ينبغي أن يستند إلى إعداد واقعي يوفر للشباب والنساء الكفاءة اللازمة لممارسة أدوارهم والمساهمة الفعلية في تطوير المؤسسات والمجتمع.
وأشار إلى الخطوات الفلسطينية الداعمة لمشاركة الشباب والمرأة في الحياة السياسية، ومنها تحديد الحد الأدنى لسن الترشح للمجلس التشريعي بثلاثة وعشرين عاما، والضمانات القانونية لتمثيل المرأة في القوائم الانتخابية بنسبة 30%.
وربط تجدد القيادات بالحاجة إلى تغيير الثقافة والعقلية في منطقة الشرق الأوسط، بما يعزز قبول الطاقات الجديدة ويتيح لها فرص التقدم على أساس الكفاءة. وأكد أهمية مراجعة النظرة إلى الموقع القيادي، وترسيخ مسؤولية القائد في إعداد من يواصلون العمل من بعده، وبناء ثقافة مؤسسية ترى في ظهور قيادات جديدة ضمانة للاستمرارية والتطور، وفي نقل الخبرة مسؤولية تجاه المؤسسة والمجتمع.
ويأتي هذا الحوار في إطار الدور الذي تضطلع به شبكة «مينابار»، التي يرأسها أبو زيد، وشركاؤها في مختلف أنحاء العالم، في جمع المؤسسات والباحثين والممارسين حول أولويات تطوير الإدارة العامة.
وتوفر مؤتمرات الشبكة وأنشطتها البحثية مساحة لالتقاء الخبرة العملية بالبحث العلمي وصياغة توصيات تدعم السياسات والقرارات القائمة على الأدلة والبيانات، وتعزز تبادل التجارب الإدارية الفضلى بين دول المنطقة وشركائها الدوليين.
وشارك في الجلسة رئيسة الرابطة الدولية لمدارس ومعاهد الإدارة الدكتورة ليزل لويس، وعضو مجلس الأعيان الأردني العين الدكتورة عبلة عماوي، والمدير العام للمعهد الدولي للعلوم الإدارية الدكتور سفيان الصحراوي، ورئيس إدارة الحوكمة وبناء الدولة في «الإسكوا» الدكتور يونس أبو أيوب، إلى جانب ممثلين عن مدارس ومعاهد الإدارة العامة وخبراء وممارسين وأكاديميين وباحثين.
وتخللت الجلسة مداخلات وأسئلة تناولت القيادة في الأزمات، والثقة بين المؤسسات والمواطنين، والتحولات التكنولوجية والديموغرافية، وفرص التعاون، كما تطرقت إلى صمود الشعب الفلسطيني وإرادته في بناء الدولة.
وتأتي الجلسة في إطار الشراكة الاستراتيجية التي تجمع شبكة «مينابار» بالمعهد الدولي للعلوم الإدارية «IIAS» والرابطة الدولية لمدارس ومعاهد الإدارة «IASIA»، وهما من المنظمات الدولية المتخصصة في تطوير الإدارة العامة والبحث وبناء القدرات، وتضم شبكاتهما جامعات ومعاهد ومؤسسات حكومية ومنظمات إدارية دولية من أكثر من 75 دولة.
ـــ
س.ك


