نابلس 23-1-2012 وفا - فاطمة إبراهيم
على فرشة شبه متهرئة، استلقى ناجح جعارة في بيته الذي يرتفع سبع درجات عن أرض بلدة نابلس القديمة، التف حوله أطفاله وبصوت يبوح ببرودة المكان كما العجز قال: 'أسكن هنا في هذا البيت البارد جدا، المياه تدخله في الأيام الماطرة، وأنا لا أستطيع الانتقال إلى بيت آخر'.
بجواره كان الصبيان عبد ومحمد يتشاجران، في حين ظل والدهما يراقبهما وهو يقول انه لا يملك أن يعالج ابنه الأكبر عبد بعد تعرضه لحادث سير سبب له إعاقة حركية في إحدى ساقية، ولدي ولد ثالث يعاني من 'متلازمة داون '
'هو مرض ينتج عن خلل في الكروموسومات، حيث توجد نسخة إضافية من كروموسوم 21 أو جزء منه ،وتتسم الحالة بوجود تغييرات كبيرة أو صغيرة في بنية الجسم. يصاحب المتلازمة غالباً ضعف في العقل والنمو البدني، وبمظاهر وجهيه مميزة' ، ولا نعرف سبيلا للتعامل مع المرض أو كيفية العناية بالمريض.فقر جعارة الذي يعمل عتّالا في أزقه وحارات البلدة القديمة، ليس همه الوحيد، لكن عجزة عن توفير أدنى مقومات الحياة الصحية في منزل مكون من حجرتين تفتك فيهما الأوساخ وتنعدم فيها الأبواب، إضافة إلى أميّته وقلة الوعي لديه هو وزوجته، جعلت المنزل 'مكرهة صحية' كما تراه نبيلة النابلسي الباحثة الاجتماعية المكلفة بالعائلة من قبل مركز التأهيل المجتمعي في نابلس.
وتصف النابلسي وضع العائلة بالخطر، حيث يصعب التعامل مع الأم التي لا تدرك أن لديها أطفالا يجب أن يذهبوا إلى المدرسة، كما أنها لا تمانع من تغسيل أبنائها الذكور على مرأى من أخواتهم الإناث بسبب عدم وجود باب للحمّام.
لكن النابلسي التي عملت مع عدد من المتطوعين وبالتعاون من مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية في نابلس، على تنظيف منزل العائلة وإعادة ترميم أجزاء منه، تؤكد أن المشكلة ليست في قلة المال، فالأموال يمكن توفيرها من أهل الخير مثلا، إضافة إلى مساعدات تتقدم بها الوزارة، مشيرة إلى أن المشكلة الحقيقة تكمن في أن الفقر ينتج عائلات لا تستطيع تقديم العلاجات المناسبة لأبنائها، ولا تستطيع أصلا الحصول على تأمين صحي، مما يزيد في نسبة الإعاقات، خاصة إذا ما ربطنا بين أمراض الأطفال كارتفاع الحرارة مثلا وأمراض التخلف العقلي التي تنتج عنها.
وتضيف: 'العائلات الفقيرة هي العائلات التي لديها عدد كبير من الأولاد ، وهي التي يكون الجهل فيها سمة واضحة'.
وتشير دراسة أعدها مركز التأهيل المجتمعي بعنوان 'واقع الإعاقة في البلدة القديمة في نابلس' إلى أن عدد حالات الإعاقة وصل إلى 229 حالة بنسبة 5.43 % من السكان، يعيش غالبيتهم في مستوى معيشي متدنٍ، حيث يصل دخل الفرد في هذه الأسر لـ1000شيقل شهريا.
كما تظهر الدراسة أن مستوى تعليم السكان سواء كانوا ذكورا أو إناثا لم يتجاوز في أحسن حالاته المرحلة الأساسية إلا فيما ندر، إذ قاربت نسبة الآباء الواصلين إلى المرحلة الأساسية حوالي 57%، ونسبة الأمهات الواصلات إلى المرحلة الأساسية ما نسبته 61.71%..
تتعامل وزارة الشؤون الاجتماعية مع 2280 حالة في محافظة نابلس ككل، يكون معيل العائلة فقط صاحب إعاقة، لكن اعتماد أسرة جعارة ومثيلاتها، على ما يقدم لها من الشؤون الاجتماعية والمؤسسات الشريكة، والمجتمع المدني، لا يحقق لها اكتفاء ذاتيا، ولا يساعدها في تحسين مستقبل أبناءها وانتشالهم من محيط يعاني قلة الإمكانات الصحية وسوء الأوضاع الاجتماعية والتعليمية، ما دفع الوزارة لخلق مشاريع تعمل على رفع دخل الأفراد في هذه الأسر وجعلهم 'مساهمين في التنمية المجتمعية'.
تقول سلام الشخشير مسؤولة قسم الإعاقة في الوزارة، إن فكرة أقامة مشاريع لعدد من العائلات التي يعاني بعض أفرادها من إعاقات مختلفة كانت ناجحة جدا، الأمر الذي مكّن هذه الأسر من الاعتماد على نفسها وتوفير دخل شهري يعفيها من سؤال المؤسسات.
لكن مثل هذه المشاريع بحسب الشخشير تحتاج إلى ميزانيات عالية، وأيضا إلى رفع وعي العائلات المعوزة لضرورة الاعتماد على نفسها والتخلي عن فكرة أخذ مساعدة من وزارة الشؤون الاجتماعية مثلا.
فيما اعتبرت حنان جاموس المرشدة النفسية في الوزارة أن الشعب اعتاد على المعونات كونها 'أسهل' وأضمن، وأن حل المشكلة يتمثل في علاج مؤشرات الخطر على صحة الساكنين ومستقبلهم والتي يفوق وجودها في البلدة القديمة وجودها في بقية مناطق نابلس.








