القدس 19-12-2011 وفا – عميد شحادة
أنشب الخبيث أظفاره متربصا كعادته، لم يطرق باب ميساء أبو غنام من قرية كفر عقب بالقدس، بل تسلل بجناح الهدوء إلى بيتها، غرس أنيابه في صدرها وكاد يسرق معالم أنوثتها لولا اكتشافه مبكرا، إنه سرطان الثدي الذي يهاجم سنويا ثلاث نساء من كل ألف امرأة في فلسطين، وهي نسبة لا تختلف عن النسب الموجودة في دول حوض البحر الأبيض المتوسط.
تقول غنام وهي أم لطفلين، وقد فاض الهدوء من بيتها سوى من صوت تلفاز في زاوية الغرفة تلتفت إليه بين الحين والآخر: 'ميساء بعد السرطان أكثر شراسة وأكثر قوة وأكثر تحدٍ وأكثر ثورة داخلية'.
لم تكن الإعلامية ميساء كباقي النساء اللواتي يندبن حظهن عند النائبات بالبكاء، هي لم تبك شعرها الراحل أو زوجها المنسحب من حياتها بعد أن هاجمها المرض، قوية بما يكفي للظهور برأسها العاري من الشعر والمكسو بالأمل، تضحك وتحارب، تتحدى السرطان بقوة الإرادة وشغف الحياة، معلنة ثورة على المرض بالابتسامة.
لميساء فلسفة خاصة في حربها ضد المرض الخبيث، تصف انتزاعه من صدرها بانتزاع فساد المجتمع وظلمه في التعامل مع المرأة كسلعة، تمردت عليه في ممارسة حياتها بشكل طبيعي دون أن تخفي آثار العلاج الكيماوي الذي قتل شعرها الذي كان رمز جمالها، فخرجت للعالم حليقة الرأس، ونُعتت بعارية الفكر والجسد نتيجة لتلك الفلسفة.
تقول: 'كان السرطان يأكلني وأنا أضحك عليه، إذا سمعت ضحكة عالية بالمستشفى هذا يعني أن ميساء اليوم لديها جلسة كيماوي، رغم أن الموجودين معي يهود وبعض العرب، كنت أتعالج في القدس'، وأخذت تضحك بصوت عالٍ لولاه لغاب إيقاع الحياة من بيتها.
سونا عاروري عاشت هي الأخرى مع سرطان الثدي لأكثر من عام، ورغم أنها لا تمتلك فلسفة ميساء؛ إلا أنها تحمل عزيمة جعلتها تخلع معطف المرض بشجاعتها واكتشافه مبكرا وهو الأهم.
تطوعت سونا للعمل في مركز 'دنيا' لأورام النساء في مدينة رام الله كمرشدة نفسية تساعد المصابات بالمرض العدائي الذي تشفى منه النساء بنسبة 98% في حالة الكشف المبكر عنه.
استطردت سونا في الحديث عن تجربتها في الصراع مع سرطان الثدي، وبدت منفعلة فيما أبت دموعها أن تفارق شواطئ عينيها وهي تناشد النساء 'قمن بالفحص المبكر، ليس ضروريا أن تعشن مأساتي ووجعي، ولا الإهانة التي مررت بها على الحواجز الاسرائيلية عندما كنت أتلقى العلاج في مدينة لقدس المحتلة'.
ميساء التي لم تنحني لرياح السرطان انحنت لتروي شجيراتها بالماء، وأخذت تتحسس عروق النبات في بيتها وتتأمله بعينين يزداد أتساعهما كلما ضحكت، تعطي الشجر ما حُرمت منه من حنوّ ورعاية واحتضان.








