بقلم مالتيه ليمنغ
ترجمة: د. جمال نزال
اتخذ رئيس الوزراء الإسرائيلي من شعوره باللامودة تجاه أوباما وسيلة للتصويت على حجب الثقة عن سياسته الخارجية في عقر داره! ومن شأن ذلك أن يقوي نزعة أوباما للابتعاد خطوة إضافية عن الانخراط بعملية السلام. يمكن للمرء على سبيل التقزيم أن يقلل من قدر كلمة نتنياهو في الكونغرس كخطاب بارع من الناحية البلاغية لما فيه من قدرة على زج مستمعيه في زهو من الاتعاظ السمعي ونشوة الطرب. ولو قدر لوصفة نجاح الخطاب أن توضع في كتاب لوصفات الطبخ لصيغت على النحو التالي:
خذي مقدار قبضة من تذكير الناس بالمحرقة، أمزجيها بقصة صراع البقاء الإسرائيلي، ضعيها فوق التهديدات الساخنة لوجود إسرائيل، اخلطيها بقصة جزيرة الحرية الإسرائيلية في بحر من الأعداء، وصحن من حكاية 'الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط'، جرعة من التخويف من التهديد الأصولي ممثلا بإيران وحماس، بالغي في إظهار طعم استعدادك للسلام، وملعقة أقاصيص شخصية وكأس وعود بالصداقة الدائمة ومن ثمة صحتين وعافية على نغمات خطاب رئيس وزراء إسرائيلي أمام الكونغرس الأمريكي!!
لكن ما بدر من نتانياهو يوم الثلاثاء، وما سمح لنفسه به أمام الكونغرس يتجاوز هذه العناصر بامتياز فقد اتخذ من شعوره باللامودة تجاه أوباما وتحديدا في مركز سلطته استفتاء لحجب الثقة على سياسته الخارجية، فأهان أوباما واتخذ منه بهلوانا تحت وابل من التصفيق من الديمقراطيين أنفسهم أي جماعة أوباما الذين حفزهم الخوف من تهمة معاداة إسرائيل إلى عض النواجذ والتعالي على الجراح حتى تمر العاصفة.
وفوق هذا كله عمق خطاب نتانياهو حالة التشكك مع العالم العربي، وعمق كذلك الفجوة مع أوروبا وزاد جفاءه عنها حيث تفكر الآن دول كثير بتغيير موقفها في مسألة التصويت أمام الأمم المتحدة في أكتوبر القادم بخصوص قبول عضوية فلسطين.
فهذا هو الثمن اللائق للتبجح لمدة ساعة أمام الكونغرس وهو ثمن الاستمتاع بالتصفيق في الكونغرس والاستحسان في إسرائيل على نجاحه في لي ذراع أوباما والتحول لبطل في عيون الإسرائيليين.
والسؤال الملائم هنا: كم صحنا سيكسر الضيف قبل أن يدعى لطاولة العشاء مكرما؟ ما الذي حدث بالضبط؟ في البداية ألقى أوباما كلمة كانت ذكية كالمعتاد وودودة على إسرائيل فوق المعتاد. اسقط منها مطالبته بإنهاء الاستيطان. ورفض فيها تأييد مسعى الفلسطينيين باتجاه الأمم المتحدة، وطالب حماس بالاعتراف بإسرائيل قبل الدخول في أي مفاوضات. وأما حديثه عن خط وقف إطلاق النار لعام 1948 إلى 1949 أي حدود الرابع من حزيران فلم يكن فيه ما يستدعي مع الإسرائيليين خلافا.
ورغم هذه الملاحظة غير الضارة لإسرائيل فضل نتانياهو خيار وقف أوباما عند حده، وذلك يعبر عن دهاء من الضيف الزائر. ففي كل مرة تطلب فيها أميركا من نتانياهو خطوات تجاه الفلسطينيين يرد على ذلك بتصرفات ومناورات لحرف الأنظار عن الموضوع. فتارة يتذرع بإيران أو حزب الله أو حماس أو بالانقسام الفلسطيني أو بالوحدة الوطنية المستجدة بين فتح وحماس ليجد شيئا في مجريات الواقع الراهن بكل لحظة يتذرع فيه. وقد اختار لنفسه في معرض شد الحبال مع أوباما أن يسجل بعض النقاط على الجبهة الداخلية في إسرائيل بدل في أن يتخذ خطا يسبب له قلاقل محتملة داخل تحالفه الحكومي. أليس هذا بالأمر السخيف كواقع كان أو كتبرير؟ بئس النهج في الحالتين!
وعلى القارعة يظل الرئيس اوباما الذي يخسر هكذا بعد تنازله لنتنياهو في موضوع الاستيطان مواجهته التالية على التوالي بشكل مدوي. ويبقى خائب الأمل وبمكانة أكثر ضعفا وهو ملوم محسور. ومن المتوقع أن تكون هذه التجربة حافزا إضافيا لأوباما كي يبتعد عن الانغماس في عملية السلام أو ينشط فيها كما يريد. ويظهر أوباما في رسم كاريكاتوري مصافحا نتانياهو وهو يردد شعاره الانتخابي المعروف 'نعم نحن نستطيع:
ويرد عليه نتانياهو Yes we can
Yes, weak hand
أي، نعم يا ذا اليد الضعيفة! وللحقيقة نقول: من كان لديه أصدقاء كنتنياهو فلا يدعين يوما أن صديقا لديه.
ــــــــــــــــــــ
ف.س




















